ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٠٦ - ٢٧١ - فالعاقل من كان بما هو أبقى أفرح منه بما هو يفنى
ما ذا يفوته؟. حكي عن بعض المشايخ أنه دخل برية الحجاز مع أصحابه بغير زاد، فلما طالت عليهم المدة و أجهدهم الجوع انحرف الشيخ عن الطريق، وهز شجرة فأسقطت رطبا جنيّا فأكلوا منها إلا شابّا، فقال له الشيخ: لم لم تأكل؟ قال: إني نويت التوكل على اللّه و رفضت الأسباب جملة، فكيف أجعلك عندي بمنزلة السبب حتى تكون النفس متشوقة لما علمت منك؟ ثم لم يصحبهم تصحيحا ليقينه و إتماما لعقده، و مما يعين على تحقيق اليقين و صدق التوكل رفض الدنيا و أهلها، و إليه أشار بقوله:
٢٧٠- و إنّه لا بدّ لبناء هذا الوجود أن تنهدم دعائمه، و أن تسلب كرائمه.
قلت: قد حكم اللّه على هذا الوجود الظاهر أن يصير باطنا فلابد أن تنهدم دعائمه، و هي ما يستقل به وجوده في العادة، و هي هنا استعارة عن هدم وجوده و تبديله في خلق آخر، قال تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَ السَّماواتُ [ابراهيم: ٤٨]، و قال تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص: ٨٨]، على تأويل أهل الظاهر، و لا بد أيضا أن تسلب كرائمه، و المراد زوال بهجته و جماله، و هي زينة الدنيا التي ذكرها اللّه بقوله: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ [آل عمران: ١٤]، فمن تيقن بفناء هذا الوجود و زوال هذا العرض الفاني جعل الدنيا محلا للعبور يعبر منها إلى دار البقاء، فيصبر على شدتها و لأوائها حتى تنقضي عنه أيام الدنيا، فهذا هو العاقل الذي ذكره بقوله:
٢٧١- فالعاقل من كان بما هو أبقى أفرح منه بما هو يفنى.
قلت: لأن من علامات العقل: «التجافي عن دار الغرور، و الإنابة إلى دار الخلود، و التزود لسكنى القبور، و التأهب ليوم النشور» كما قال ٧. فالعاقل هو الذي يميز بين الحق و الباطل، و النافع و الضار، و الحسن و القبيح، و كل ما يفني و إن طال فهو قبيح، و كل ما يبقي و إن غاب فهو مليح. قال بعضهم: يا عجبا للمطمئن للدنيا و الراكن إليها، و الحريص عليها، و هو يرى سرعة زوالها، و كثرة تقلبها، و مفاجأة نوائبها، و أنشدوا: