ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٩ - ١٠ - الأعمال صور قائمة و أرواحها وجود سر الإخلاص فيها
قلت: و لأجل هذا المعنى اختلفت أحوال الصوفية فمنهم عباد و منهم زهاد و منهم الورعون و المريدون و العارفون. قال الشيخ زروق رضي اللّه تعالى عنه:
في قواعده: قاعدة: النّسك الأخذ بكل مسلك من الفضائل من غير مراعاة لغير ذلك فإن رام التحقيق في ذلك أي النسك فهو العابد، و إن مال للأخذ بالأحوال فهو الورع و إن آثر جانب الترك طالبا للسلامة فهو الزاهد، و إن أرسل نفسه في مراد الحق فهو العارف، و إن أخذ بالتخلق و التعلق فهو المريد انتهى المراد منه. و قال في قاعدة أخرى: لا يلزم من اختلاف المسالك اختلاف المقاصد بل يكون متحدا مع اختلاف مسالكه كالعبادة و الزهادة و المعرفة مسالك لقرب الحق على سبيل الكرامة و كلها متداخلة فلابد للعارف من عبادة و إلا فلا عبرة بمعرفته إذ لم يعبد معروفه و لا بد له من زهادة و إلا فلا حقيقة عنده إذ لم يعرض عما سواه و لا بد للعابد منهما إذ لا عبادة إلا بمعرفة أي في الجملة و لا فراغ للعبادة إلا بزهد و الزاهد كذلك إذ لا زهد إلا بمعرفة أي في الجملة و لا زهد إلا بعبادة و إلا عاد بطالة. نعم من غلب عليه العمل فعابد أو الترك فزاهد أو النظر لتصريف الحق فعارف و الكل صوفية، و اللّه تعالى أعلم انتهى. و لما كان الإخلاص شرطا في كل عمل ذكره بأثره فقال:
١٠- الأعمال صور قائمة و أرواحها وجود سرّ الإخلاص فيها.
الأعمال هنا عبارة عن الحركة الجسمانية أو القلبية. و الصور جمع صورة و هى ما يتشخص في الذهن من الكيفيات. و الروح السرّ المودع في الحيوانات و هو هنا عبارة عما يقع به الكمال المعتبر في الأعمال. و الإخلاص إفراد القلب لعبادة الرب، و سره: لبّه و هو الصدق المعبر عنه بالتبري من الحول و القوة، إذ لا يتم إلا به، و إن صح دونه إذ الإخلاص نفي الرياء و الشرك الخفي و سره: نفي العجب، و ملاحظة النفس و الرياء قدح في صحة العمل و العجب قدح في كماله فقط.