ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٠ - ١٠ - الأعمال صور قائمة و أرواحها وجود سر الإخلاص فيها
قلت: الأعمال كلها أشباح و أجساد و أرواحها وجود الإخلاص فيها فكما لا قيام للأشباح إلا بالأرواح و إلا كانت ميتة ساقطة كذلك لا قيام للأعمال البدنية أو القلبية. إلا بوجود الإخلاص فيها و إلا كانت صورا قائمة و أشباحا خاوية لا عبرة بها: قال تعالى: وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ [البينة: ٥]، و قال تعالى: فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ [الزمر: ٢]، و قال صلى اللّه عليه و آله و سلم حاكيا عن اللّه تعالى: «يقول أنا أغني الشركاء عن الشرك، من أشرك معي غيري تركته و شريكه[١]». و قال صلى اللّه عليه و آله و سلم: «أخوف ما أخاف على أمّتي الشرك الخفيّ و هو الرّياء[٢]». و في رواية: «اتقوا هذا الشرك الخفيّ، فإنّه يدبّ دبيب النمل، قيل:
و ما الشرك الخفي؟ قال: الرياء[٣]»، انتهى بالمعنى لطول العهد به، و في حديث مسلسل إلى النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم أنه سئل عن الإخلاص فقال: «حتّى أسأل جبريل، فلما سأله قال: حتّى أسأل ربّ العزة، فلما سأله قال له: هو سرّ من أسراري أودعه قلب من أحببت من عبادي، لا يطّلع عليه ملك فيكتبه و لا شيطان فيفسده[٤]». قال بعضهم: هو مقام الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه.
و الإخلاص على ثلاث درجات: درجة العوام، و الخواص، و خواص الخواص.
فإخلاص العوام: هو إخراج الخلق من معاملة الحق مع طلب الحظوظ الدنيوية و الأخروية كحفظ البدن و المال وسعة الرزق و القصور و الحور. و إخلاص الخواص: طلب الحظوظ الأخروية دون الدنيوية. و إخلاص خواص الخواص:
إخراج الحظوظ بالكلية، فعبادتهم تحقيق العبودية و القيام بوظائف الربوبية أو محبة و شوقا إلى رؤيته.
[١] - رواه مسلم( ٤/ ٢٢٨٩)، و الترمذي( ٥/ ٣١٤)، و ابن ماجه( ٢/ ١٤٠٥).
[٢] - رواه ابن ماجه( ٢/ ١٤٠٦)، و الحاكم في المستدرك( ٤/ ٣٦٥).
[٣] - رواه أحمد في مسنده( ٤/ ٤٠٣)، و أبو يعلى في مسنده( ١/ ٦٠).
[٤] - رواه الديلمي في الفردوس( ٣/ ١٨٧).