ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٧ - ٨ - إذا فتح لك وجهة من التعرف فلا تبال معها إن قل عملك، فإنه ما فتحها لك إلا و هو يريد أن يتعرف إليك ألم تعلم أن التعرف هو مورده عليك و الأعمال أنت مهديها إليه، و أين ما تهديه إليه مما هو مورده عليك
ثلاثة أقسام:- قسم عقوبة و طرد.- و قسم تأديب.- و قسم زيادة و ترقّ.
أما الذي هو عقوبة و طرد: فهو الذي يسيء الأدب فيعاقبه الحق تعالى و يجهل فيها فيسخط و يقنط و ينكر فيزداد من اللّه طردا و بعدا. و أما القسم الذي هو تأديب: فهو الذي يسيء الأدب فيؤدبه الحق تعالى، فيعرفه فيها و ينتبه لسوء أدبه و ينهض من غفلته فهي في حقه نعمة في مظهر النقمة. و أما الذي هي في حقه زيادة و ترق: فهو الذي تنزل به هذه التعرفات من غير سبب[١]، فيعرفه فيها و يتأدب معها و يترقى بها إلى مقام الرسوخ و التمكين انتهى بالمعنى. قلت:
و لذلك قال بعضهم بقدر الامتحان يكون الامتكان[٢]. و قال أيضا: اختبار الباقي يقطع التباقي[٣].
فائدة: إذا أردت أن يسهل عليك الجلال فقابله بضده و هو الجمال، فإنه ينقلب جمالا في ساعته، و كيفية ذلك أنه إذا تجلى باسمه القابض في الظاهر، فقابله أنت بالبسط في الباطن فإنه ينقلب بسطا و إذا تجلى لك باسمه القوي فقابله أنت بالضعف، أو تجلي باسمه العزيز فقابله بالذل في الباطن و هكذا يقابل الشيء بضده قياما بالقدرة و الحكمة[٤]. و كان شيخ شيخنا مولاي العربي رضي اللّه تعالى عنه يقول: ما هي إلا حقيقة واحدة إن شربتها عسلا، وجدتها عسلا و إن شربتها لبنا، وجدتها لبنا و إن شربتها حنظلا وجدتها حنظلا فأشرب يا أخي المليح و لا تشرب القبيح. انتهى. و معنى كلامه رضي اللّه تعالى عنه هو كما تقابله يقابلك و اللّه تعالى أعلم. و لما تكلم على الأعمال و ثمراتها و هو الأدب و مرجعه إلى السكون تحت مجاري الأقدار من غير تدبير و لا اختيار و لا تعجيل لما
[١] - أي سبب ظاهر.
[٢] - و هو مصدر على غير قياس.
[٣] - لعل المقصود ما تبقى من شوائب النفوس، أو التباقي بمعنى البقاء في المقام دون ترق.
[٤] - و هي فائدة عظيمة مشكورة لمن أراد أن يذكّر أو أراد شكورا.