ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٦ - ٨ - إذا فتح لك وجهة من التعرف فلا تبال معها إن قل عملك، فإنه ما فتحها لك إلا و هو يريد أن يتعرف إليك ألم تعلم أن التعرف هو مورده عليك و الأعمال أنت مهديها إليه، و أين ما تهديه إليه مما هو مورده عليك
و مثل ذلك كالأمراض و الأوجاع و الشدائد و الأهوال و كل ما يثقل على النفس و يؤلمها كالفقر و الذل و أذية الخلق و غير ذلك مما تكرهه النفوس، فكل ما ينزل بك من هذه الأمور فهي نعم كبيرة و مواهب غزيرة تدل على قوة صدقك إذ بقدر ما يعظم الصدق يعظم التعرف: «أشدّكم بلاء الأنبياء فالأمثل فالأمثل[١]»، و الصدق متبوع[٢]. و إذا أراد اللّه أن يطوي مسافة البعد بينه و بين عبده سلط عليه البلاء حتى إذا تخلص و تحرر صلح للحضرة كما تصفي الفضة و الذهب بالنار لتصلح لخزانة الملك. و ما زالت الشيوخ و العارفون يفرحون بهذه النوازل و يستعدون لها في كسب المواهب كان شيخ شيوخنا سيدي على العمراني رضي اللّه تعالى عنه يسميها ليلة القدر و يقول: كل الخيرة هي ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر و ذلك لأجل ما يجتنيه العبد منها من أعمال القلوب التي الذرة منها أفضل من أمثال الجبال من أعمال الجوارح.
و قد قلت في ذلك بيتين و هما:
|
إذا طرقت بابي من الدّهر فاقة |
فتحت لها باب المسرّة و البشر |
|
|
و قلت لها أهلا و سهلا و مرحبا |
فوقتك عندي أحظى من ليلة القدر |
|
و اعلم أن هذه التعرفات الجلالية هي اختبار من الحق، و معيار للناس. و بها تعرف الفضة و الذهب من النحاس. فكثير من المدعين يظهرون على ألسنتهم المعرفة و اليقين، فإذا وردت عليهم عواصف رياح الأقدار ألقتهم في مهاوي القنوط و الإنكار: من ادعى ما ليس فيه فضحته شواهد الامتحان. و كان شيخ شيخنا مولاي العربي رضي اللّه تعالى عنه يقول: العجب كل العجب ممن يطلب معرفة اللّه و يحرص عليها فإذا تعرف له الحق تعالى هرب منه و أنكره.
و قال شيخنا البوزيدي رضي اللّه تعالى عنه: هذه التعرفات الجلالية على
[١] - رواه البخاري( ٥/ ٢١٣٩)، و النسائي في الكبرى( ٤/ ٣٥٢).
[٢] - أي بالمعرفة و لطائف المنن.