ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٦١ - ٢٣٥ - إنما أجرى الأذى عليهم كي لا تكون ساكنا إليهم، أراد أن يزعجك عن كل شيء حتى لا يشغلك عنه شيء
رجل يقال له أبو الحسن النوري، فقال الوليد: ما رأيت طائرا أسرع منه، فوثب قائما بين يدي، فعجبت من سرعة قيامه، فقلت: يا هذا أعلمت لم قمت؟ فقال: نعم، ألم تقل أفيكم من يقوم للسيف؟ فقلت له: نعم، فقال: و لم قمت؟ قال: علمت أن الدنيا سجن المؤمن فأحببت أن أخرج إلى دار الفوز، و أن أوثر أصحابي عليّ بالعيش و لو ساعة، و لعلي أقتل فيطفأ الشربي فيسلم جميعهم و لا يقتل أحد غيري، قال الصاحب: فعجبت من فصاحته، فقلت: أجب القاضي، فتغير لونه، و سالت عبرته على خده، فقال: أو دعاني القاضي؟ قلت: نعم دعاك، قال:
فحقّا عليّ إجابته، فدخلت و هو معي فأخبرت الملك و القاضي بقصته، فتعجبا منه و سأله القاضي عن مسألة غامضة، فقال: من أنت؟ و لم خلقت؟ و ما أراد اللّه بخلقك؟ و أين هو ربك منك؟ فقال: و من أنت الذي تسألني؟ فقال: أنا قاضي القضاة، فقال له: إذا لا رب غيرك و لا معبود سواك، أنت قاضي القضاة، و هذا يوم الفصل و القضاء و الناس قد حشروا ضحى، فأين النفخة في الصور التي قال اللّه فيها: وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ [الزمر: ٦٨]؟ أنا ممن صعق أم أنا ممن شاء اللّه الذي لم أشهد النفخ؟
فبهت القاضي زمانا، و قال: يا هذا أجعلت منى إلها؟ قال: معاذ اللّه بل أنت تألهت حيث تسميت بقاضي القضاة، و ليس قاضي القضاة إلا القاضي الذي يقضي و لا يقضي عليه، أضاقت عليك الأسماء؟! أما كفاك قاضي المسلمين أو أحد الفقهاء أم أحد من عباد اللّه حتى تسميت بقاضي القضاة؟ استكبرت أن تقول أنا علي بن أبي ثور، فما زال يقرعه حتى بكى القاضي، و همّ أن تزهق نفسه و بكى الملك لبكائه، و بكى الجنيد، فقال لتلميذه: اقصر من عتابك للقاضي فقد قتلته فخل سبيله، فلما أفاق القاضي قال: يا أبا الحسن أجبني عن مسألتي و أنا أتوب إلى اللّه بين يديك، فقال: اذكر مسألتك فإني نسيتها، فأعاد عليه مسألته فنظر عن يمينه و قال: أتجاوبه؟ ثم قال: حسبي اللّه، ثم فعل عن يساره مثل ذلك، ثم نظر أمامه و قال أتجاوبه؟ ثم قال: الحمد للّه، ثم رفع رأسه إلى القاضي و قال له: أما قولك يرحمك اللّه من أنت؟
فأنا عبد اللّه، لقوله تعالى: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً [مريم: ٩٣]، و أما قولك لماذا خلقت؟ فكان اللّه كنزا لا يعرف فخلقني لمعرفته، قال تعالى: