ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٥٩ - ٢٣٥ - إنما أجرى الأذى عليهم كي لا تكون ساكنا إليهم، أراد أن يزعجك عن كل شيء حتى لا يشغلك عنه شيء
وجدوا) ثم قال: و مما يدلك على أن هذه سنة اللّه في أحبائه و أصفيائه قوله تعالى: وَ زُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ [البقرة: ٢١٤]، و غير ذلك من الآيات الدالة على هذا المعنى انتهى.
و قال بعض العارفين: و يجب أن تعلم أن النفوس شأنها استحلاء الإقامة في موطن العز و الرفعة، فلو تركها الحق سبحانه لهلكت فأزعجها عن ذلك بما سلط عليها من أذى المؤذنين و معارضة الجاحدين، و في هذا المعنى قيل:
|
عداتي لهم فضل عليّ و منّة |
فلا أبعد الرحمن عنّي الأعاديا |
|
|
فهم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها |
و هم نافسوني فارتكبت المعاليا |
|
و قال بعضهم: النصيحة من العدو سوط من اللّه يرد به القلوب إذا سكنت إلى غيره و إلا رقد القلب في ظل العز و الجاه، و هو حجاب عن اللّه تعالى عظيم. و قال الشيخ أبو الحسن رضي اللّه تعالى عنه: آذاني إنسان مرة فضقت ذرعا بذلك، فنمت فرأيت يقال لي: من علامة الصديقية كثرة أعدائها ثم لا يبالي بهم انتهى. إذا تقرر هذا علمت أن إذاية الخلق للولى سنة ماضية، يعني سنة أنبياء اللّه و رسله، فلن تجد لسنة اللّه تبديلا، و انظر أحوال نبينا صلى اللّه عليه و آله و سلم ما رأى مع قريش و بني وائل، مكث معهم بعد النبوة التي هي محل الأذى من الخلق ثلاث عشرة سنة كلها جلد و شدة و بلاء، و حين انتقل إلى المدينة لم تكن له راحة بين جهاد و تعليم و معاناة أحبار يهود، بالإذاية و التشغيب، حتى لقي اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم و شرف و كرم و مجد و عظم، و كذلك أصحابه معه و بعده لم تكن لهم راحة، و جلهم ماتوا مقتولين، فقد مات الصديق مسموما، و مات الفاروق مقتولا، و عثمان مذبوحا، و سيدنا علي مضروبا بالسيف مسموما، حتى مات الحسن مسموما، و الحسين مقتولا حتى لعبوا برأسه بالشام ثم دفن بمصر، فداه بعض الملوك و دفنه بمصر، و هو مزار الحسين المشهور عندهم، ثم ما لا يحصى، و قد سعى بالجنيد و أصحابه للسلطان و أتى بهم للسيف ثم لطف اللّه بهم. و قصتهم:
أن فقهاء بغداد قالوا للمتوكل: إن الجنيد قد تزندق هو و أصحابه، فقال لهم الملك[١]: و كان
[١] - في المطبوعة: الخليفة- بدلا- من الملك.