ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٦٠ - ٢٣٥ - إنما أجرى الأذى عليهم كي لا تكون ساكنا إليهم، أراد أن يزعجك عن كل شيء حتى لا يشغلك عنه شيء
يميل إلى الجنيد: يا أعداء اللّه ما أردتم إلا أن تفنوا أولياء اللّه من الأرض واحدا بعد واحد، قتلتم الحلاج و أنتم ترون له كل يوم عبارة و لا تزدجرون، و هذا الجنيد لا سبيل لكم إليه حتى تغلبوه بالحجة، فاجمعوا له الفقهاء و اعملوا له مجلسا فإن أنتم غلبتموه، و شهد الناس بأنكم غالبون عليه قتلته، و إن هو غلبكم و اللّه لأمشين عليكم بالسيف حتى لا نبقي منكم أحدا على الأرض، قالوا: نعم، فجمعوا له الفقهاء من الشام و اليمن و العراق و الأمصار، فلما اجتمع الفقهاء في ذلك حتى لم يبق في الجوانب الأربع من يعرف مسألة في دينه إلا حضر، فلما اجتمع الفقهاء في المجلس بعث الملك إليه فأتى هو و أصحابه إلى باب القصر، فدخل الجنيد و ترك أصحابه و أدى حق الخليفة يعني من التعظيم، و قعد فقام إليه أحد الفقهاء يسأله في مسألة، فسمعه القاضي علي ابن أبي ثور، فقال لهم: تسألون الجنيد؟ فقالوا: نعم، فقال لهم: أفيكم من هو أفقه منه؟ فقالوا:
لا، فقال: يا عجبا هو أفقه منكم في علمكم، و قد تفقه في علم تنكرونه عليه، يعني و لا تعرفونه فكيف تسألون رجلا لا تدرون ما يقول؟ فبهت القوم و سكتوا زمانا، ثم قالوا: ما العلم يا قاضي المسلمين؟ فأشر بما شئت فنصنع، فأمرك مطاع، قال: فردّ القاضي وجهه إلى الأمير و قال له:
اترك الجنيد، و اخرج إلى أصحابه صاحب سيفك و هو الوليد بن ربيعة ينادي فيهم: من يقوم إلى السيف، فأول من يقوم إليه نسأله، فقال الملك: يرحمك اللّه لم ذلك؟ تروع القوم و لم تظهر لكم حجة؟ لا يحل لنا ذلك، فقال القاضي: يا أمير المؤمنين إن الصوفية يحبون الإيثار على أنفسهم حتى بأنفسهم، فائذن من ينادي: أيكم يقوم للسيف؟ فالرجل الذي يقوم مبادرا إلى السيف هو أكثر الناس جهلا و أكثرهم صدقا للّه عز و جلّ، فيقوم يؤثر أصحابه بالعيش بعده، فإذا قدم أجهلهم علينا جعل الفقهاء يناظرونه فيما يطلبونه منه، فإن الفقهاء لا يغلبونه و لا يغلبهم، فيقع الصلح بيننا و بينهم، فإنها قد نزلت مصيبة عظيمة لا ندري لمن يقع النجاة منها، فإنه إن قتل الجنيد نزلت داهية في الإسلام، فإنه قطب الإيمان في عصرنا، و إن قتل العلماء و الفقهاء فهي مصيبة عظيمة، فقال له الأمير: للّه درك لقد أصبت، ثم عطف على الوليد و قال: افعل ما يقول لك القاضي، فخرج الوليد و هو مقلد سيفه، فوقف على المريدين و هم مائتان و سبعون رجلا قعودا ناكسين رؤوسهم و هم يذكرون اللّه، فنادى فيهم: أفيكم من يقوم إلى السيف؟ فقام إليه