ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٥٨ - ٢٣٥ - إنما أجرى الأذى عليهم كي لا تكون ساكنا إليهم، أراد أن يزعجك عن كل شيء حتى لا يشغلك عنه شيء
فمن حكمة اللّه تعالى و لطفه و إبراره بوليه أن يحرك عليه ما ركنت إليه نفسه و ألفته روحه الأحب فالأحب، فأول من ينكره أهله و أولاده، ثم جيرانه و أحبابه، ثم ينكره العالم بأسره، فإذا رأت الروح أن هذا العالم أنكرها و ضاق عليها رحلت إلى مولاها، و لم يبق لها تشوف إلى هذا العالم أصلا، فحينئذ يكمل وصلها و يتحقق فناؤها و بقاؤها، فلو بقيت النفس على ما هي عليه من السكون تحت ظل الجاه و العز ما رحلت من هذا العالم أصلا، و كلما قوي على الأولياء الأذى دل على علو مقامهم عند المولى، فإنما أجرى الحق سبحانه الأذى على أيدي الخلق إليك، إذ هو المجري و المنشئ، فلا فاعل غيره كي لا تكون ساكنا بقلبك و روحك إليهم، فيعوقك ذلك عن العروج إلى الملكوت. أراد الحق تعالى أن يزعجك عن كل شيء من هذا العالم حتى لا تركن إلى شيء و لا يشغلك عن شهوده شيء، إذ محال أن تشهده و تشهد معه سواه، أو تحبه و تحب معه سواه، أبت المحبة أن تشهد غير محبوبها، فإذا تمكنت المحبة و كمل الشهود ردهم إن شاء إلى عباده مرشدين إليهم باللّه. قال في لطائف المنن: اعلم أن أولياء اللّه تعالى حكمهم في بدايتهم أن يسلط الخلق عليهم، ليتطهروا من البقايا و تكمل فيهم المزايا، و كي لا يساكنوا هذا الخلق باعتماد، أو يميلوا إليهم باستناد، و من آذاك فقد أعتقك من رق إحسانه، و من أحسن إليك فقد استرقك وجود امتنانه، و لذلك قال صلى اللّه عليه و آله و سلم:
«من أسدى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تقدروا فادعوا له[١]»، كل ذلك ليتخلص القلب من رق إحسان الخلق، و يتعلق بالملك الحق، ثم قال: و قال الشيخ أبو الحسن: اهرب من خير الناس أكثر من أن تهرب من شرهم، فإن خيرهم يصيبك في قلبك و شرهم يصيبك في بدنك، و لأن تصاب في بدنك خير من أن تصاب في قلبك، و لعدو تصل به إلى اللّه خير من حبيب يقطعك عن اللّه، و عدّ إقبالهم عليك ليلا و إدبارهم عنك نهارا، ألا تراهم إذا أقبلوا فتنوا. قال: و تسليط الخلق على أولياء اللّه في مبدإ طريقهم سنة اللّه في أحبائه و أصفيائه. قال الشيخ أبو الحسن في حزبه: (اللهم إن القوم قد حكمت عليهم بالذل حتى عزوا، و حكمت عليهم بالفقد حتى
[١] - رواه أبو داود( ٢/ ١٢٨)، و النسائي( ٥/ ٨٢)، و أحمد في المسند( ٢/ ٦٨)، بلفظ: من صنع.