ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٢٥ - ٢١١ - لا تنفعه طاعتك، و لا تضره معصيتك، و إنما أمرك بهذا و نهاك عن هذا لما يعود إليك
بالمقصود، لأن أعمال الصوفية مبنية عل العبادة القلبية، لأن الأعمال الظاهرة إن لم يوافقها القلب كانت أشباحا خاوية، و باللّه التوفيق و اعلم أن من تخلص من رق طبعه و استنقذ من أسر نفسه فقد تحقق بمحبة ربه، و المحبة لها بداية و وسط و نهاية، فأول المحبة و بدايتها ملازمة امتثال الأمر و اجتناب النهي، قال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران: ٣١]، و وسطها لهج اللسان بالذكر، و تعلق القلب بشهود المحبوب، و نهايتها لا تدرك بالعبارة، و لا تلحقها الإشارة، و في هذا المعنى قيل:
|
فلم يبق إلا الله لا ربّ غيره |
حبيب لقلب غاب عن كل مقصد |
|
|
هنيئا لمن قد نال حبّ حبيبه |
و خاض بترك الغير أكرم مورد |
|
|
نعيم بلا حدّ لديه مجدّد |
على عدد الأنفاس في كل مشهد |
|
روي أن أبا يزيد رضي اللّه تعالى عنه كان بحذاء المنبر، فقرأ الخطيب: وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الأنعام: ٩١]، فصبّر نفسه حتى طار الدم من عينه، فهذه المعاني لا تدركها العامة و لا الخاصة، و إنما يذوقها خاصة الخاصة. و أنشدوا:
|
و حقّك لو أفنيت قلبي صبابة |
لكنت على هذا حبيبا إلى قلبي |
|
|
أزيد على عذل العذول تشوّقا |
و وجدا على وجد و حبّا إلى حبّ |
|
|
أبى القلب إلا أنت في كل حالة |
حبيبا و لو دارت عليه يد الكرب |
|
|
فلا تبتليه بالبعاد فإنّما |
تلذّذ أنفاس المحبين بالقرب |
|
و معنى محبة اللّه لعبده حين يقبل عليه هو تقريبه لحضرته، و هدايته لمحبته من غير نفع له في ذلك، إذ لا تنفعه طاعة من أقبل عليه، و لا تضره معصية من أدبر عنه، إذ هو غني عن الكل، كما أشار إلى ذلك بقوله:
٢١١- لا تنفعه طاعتك، و لا تضرّه معصيتك، و إنّما أمرك بهذا و نهاك عن هذا لما يعود إليك.