ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٧٦ - ١٧٨ - تحقق بأوصافك يمدك بأوصافه، و تحقق بذلك يمدك بعزته، و تحقق بعجزك يمدك بقدرته، و تحقق بضعفك يمدك بحوله و قوته
الناس بعكس هذا، فقال: إني إذا لم يصبح عندي شيء فلي برسول اللّه أسوة حسنة، و إذا أصبح عندي شيء لم يكن لي برسول اللّه أسوة حسنة.
قلت: و هذه حالة أشياخنا رضي اللّه عنهم حسبما استقرأناه من حالهم، و قد بلغني أن شيخ شيخنا مولاي العربي رضي اللّه تعالى عنه كان يشعل الفتيلة و ينظر في نواحي البيت، إذا وجد شيئا أخرجه يتصدق به، و يبيت على الفاقة، هكذا كان حاله في حال تجريده رضي اللّه تعالى عنه، هذا و استشهد المؤلف رضي اللّه تعالى عنه بالآية الكريمة: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ [التوبة: ٦٠]، إشارة إلى أن ما يهبه اللّه تعالى من المواهب و المعارف، إنما هي صدقة و منة لا جزاء على الأعمال و الأحوال، لأن الصدقة لا تكون في مقابلة عمل، و إن اللّه لغني عن العالمين، ثم التحقق بالفقر مجموعه التحقق بأوصاف العبودية، و هي الذل و العجز و الضعف، كما بين ذلك بقوله:
١٧٨- تحقّق بأوصافك يمدّك بأوصافه، و تحقّق بذلك يمدّك بعزّته، و تحقق بعجزك يمدّك بقدرته، و تحقق بضعفك يمدك بحوله و قوّته.
قلت: أوصاف العبودية أربعة، يقابلها من أوصاف الربوبية أربعة: أولها: من العبد الفقر، و من اللّه الغنى. الثاني: من العبد الذل، و من اللّه العز. الثالث: من العبد العجز، و من اللّه القدرة. الرابع: من العبد الضعف، و من اللّه القوة، و التحقق بالوصف هو التحلي و الاتصاف به قلبا و قالبا، و يكون ذلك باديا بين خلقه، فلا يتحقق الذل للّه حتى يظهر ذلك بين عباده، فمن أراد أن يمده اللّه بالغنى به عما سواه فليتحقق بالفقر مما سواه، كما قال الشيخ أبو الحسن رضي اللّه تعالى عنه في حزبه الكبير: نسألك الفقر مما سواك، و الغنى بك حتى لا نشهد إلا إياك، و من أراد أن يمده اللّه بالعز الذي لا يفنى فليتحقق بالذل للّه و التواضع بين خلقه، فمن تواضع دون قدره رفعه اللّه فوق قدره، و من أراد أن يمده اللّه بالقدرة الخارقة للعوائد فليتحقق بعجزه، و يتبرأ من حوله و قوته، و من أراد أن يمده اللّه بالقوة على طاعة مولاه و مجاهدة نفسه و هواه فليتحقق