ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٥٦ - ١٦٣ - من عرف الحق شهده في كل شيء، و من فني به غاب عن كل شيء، و من أحبه لم يؤثر عليه شيئا
و قال سهل بن عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنه: لا ينال العبد حقيقة من هذا الأمر حتى يكون بأحد وصفين: حتى يسقط الناس من عينه، فلا يرى في الدارين إلا هو خالقه، فإن أحدا لا يقدر أن يضره و لا ينفعه، و تسقط نفسه عن قلبه، فلا يبالي بأي حال يرونه انتهى، و للّه در القائل
|
فليتك تحلو و الحياة مريرة |
وليتك ترضى و الأنام غضاب |
|
|
و ليت الذي بيني و بينك عامر |
و بيني و بين العالمين خراب |
|
|
و ليت شرابي من ودادك صافيا |
و شربي من ماء المعين سراب |
|
|
إذا صح منك الودّ فالكل هيّن |
و كل الذي فوق التراب تراب |
|
اعلم أن رضا الخلق غاية لا تدرك، و انظر قضية لقمان مع ابنه و هي مشهورة، يتبين لك أن رضا الخلق محال أو متعذر، و أجهل الناس من طلب ما لا يدرك، و قال بعضهم: ما لي و للناس؟ كنت في بطن أمي وحدي، و خرجت إلى الدنيا وحدي، و نموت وحدي، و ندخل قبري وحدي، و نسأل وحدي، و نبعث من قبري وحدي، و نحاسب وحدي، فإن دخلت الجنة دخلت وحدي، و إن دخلت النار دخلت وحدي، ففي هذه المواطن لا ينفعني أحد، فمالي و للناس؟ انتهى بالمعنى. و قيل: إن الولي الصادق لا قدر له عند الخلق، و لا قدر للخلق عنده، فكلما عظم أمره عند اللّه خفي أمره عند الناس، ثم إنه لا تتحقق الغيبة عن نظر الخلق بنظر الحق، إلا بمعرفة الحق عند كل شيء، و شهوده في كل شيء، كما أبان ذلك بقوله:
١٦٣- من عرف الحقّ شهده في كلّ شيء، و من فني به غاب عن كل شيء، و من أحبّه لم يؤثر عليه شيئا.
قلت: معرفة الحق هي شهود ربوبيته في مظاهر عبوديته، أو تقول: هي الغيبة عن الغيرية بشهود الأحدية، أو تقول: هي الترقي من شهود عالم الأشباح إلى شهود عالم الأرواح، فيكون جسمك مع الأشباح و روحك مع الأرواح، قال في المباحث:
|
و استشعروا شيئا سوي الأبدان |
يدعونه بالعالم الروحاني |
|