ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٥٢ - ١٦٠ - ربما دخل الرياء عليك من حيث لا ينظر الخلق إليك
و كان بعض العارفين يقول: اجتهدت في إزالة الرياء من قلبي بكل حيلة، فما أزلته من جهة حتى نبت من أخرى من حيث لا أظنه. و قال بعضهم: من أعظم الرياء من رأى العطاء و المنع و الضرر و النفع من الخلق. و قال بعضهم: أقسام الرياء ثلاثة كلها علة في الدين: الأول:
و هو أعظمها: أن يقصد بعمله الخلق و لولاهم لم يعمل. الثاني: أن يعمل للمدحة و الثناء، و لو لم يعلمه الناس. الثالث: أن يعمل للّه و يرجو على عمله الثواب و رفع العقاب، و هذا النوع جيد من وجه، معلول من وجه، عند العارفين رياء، و عند عامة المسلمين إخلاص. و قد قيل في قوله تعالى: وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر: ١٠]، هو السالم من الرياء ظاهرا و باطنا بحيث لا يريد عامله حظّا دنيويّا و لا أخرويّا. و للمرائي علامات لا تخفى: منها نشاطه في الجلوة، و كسله في الخلوة، أو إتقان العمل حيث يراه الناس و تساهله حيث لا يراه إلا اللّه، و منها التماسه بقلبه توقير الناس له و تعظيمه و مسارعتهم إلى قضاء حوائجه، و إذا قصر أحد في حقه الذي يستحقه عند نفسه استبعد ذلك و استنكر، و يجد تفرقة بين إكرامه و إكرام غيره، إهانته و إهانة غيره من إقرانه حتى ربما يظهر بعض سخفاء العقول ذلك على ألسنتهم، فيتوعدون من قصر في حقهم بمعاجلة اللّه لهم بالعقوبة، و أن اللّه تعالى لا يدعهم حتى ينتصر لهم و يأخذ ثأرهم، فإن وجد الفقير هذه الأمارت في نفسه فليعلم أنه مرائي بعمله و إن أخفاه عن أعين الناس.
و قد روي عن علي كرم اللّه وجهه: إن اللّه تعالى يقول للفقراء يوم القيامة: «ألم تكونوا ترخص عليكم الأسعار؟ ألم تكونوا تبادرون بالسلام؟ ألم تكونوا تقضى لكم الحوائج؟»، و في الحديث الآخر: «لا أجر لكم قد استوفيتم أجوركم[١]». و قال عبد اللّه بن المبارك: روي عن وهب بن منبه رضي اللّه تعالى عنه: أن رجلا من العباد قال لأصحابه: إنا إنما فارقنا الأموال و الأولاد مخافة الطغيان، فنخاف أن يكون قد دخل علينا في أمرنا هذا من الطغيان أكثر مما دخل على أهل الأموال في أموالهم، إن أحدنا إذا لقي أحب أن يعظم لمكان دينه، و إن سأل حاجة أحب أن تعطى له لمكان دينه، و إن اشترى شيئا أحب أن يرخص عليه لمكان دينه، فبلغ
[١] - لم أقف عليه.