ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٤٠ - ١٥٣ - نور يكشف لك به عن آثاره، و نور يكشف لك به عن أوصافه
١٥٣- نور يكشف لك به عن آثاره، و نور يكشف لك به عن أوصافه.
قلت: أصل النور من حيث هو الكشف، فالنور الحسي يكشف عن المحسوسات، و النور المعنوي يكشف عن المفهومات، أو تقول: نور الحس يكشف عن الأواني، و النور المعنوي يكشف عن المعاني، و لا عبرة برؤية الأواني خاوية عن المعاني، ثم إن النور المعنوي ينقسم على ثلاثة أقسام باعتبار القوة و الضعف، فنور الإسلام الذي هو كالنجوم يكشف لك الحق تعالى به عن وجود آثاره فتستدل بها على صانعها، و نور الإيمان الذي هو كالقمر يكشف لك به عن ثبوت أوصافه فلا يتحرك شيء أو يسكن إلا تراه بقدرة اللّه و إرادته و علمه و حياته إلى آخر صفاته. و نور الإحسان يكشف لك به عن حقيقة ذاته فلا ترى شيئا إلا رأيت صانعه فيه بواسطة تجلياته: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ [النور: ٣٥]، فنهاية كشف النور الأول الفناء في الأفعال، و نهاية كشف النور الثاني الفناء في الصفات، و نهاية كشف النور الثالث التمكين في الفناء في الذات، و استغنى الشيخ عن النور الثالث بذكر النور الثاني، لأن الفناء في الصفات قريب من الفناء في الذات، لأن الصفات لا تفارق الموصوف، فمن كان يرى سمعه باللّه، و بصره باللّه، و حركته باللّه، يرى وجوده باللّه، و لذلك استغنى بعضهم بالفناء في الذات عن الفناء في الصفات لتقاربهما فمهما تحقق أحدهما تحقق الآخر، و اللّه تعالى أعلم. و يحتمل أن يريد بقوله: نور يكشف لك به عن آثاره النور الحسي المدرك بالبصر الحسي، و نور يكشف لك به عن أوصافه نور البصيرة المعنوي، و عليه اقتصر الشيخ ابن عباد رضي اللّه تعالى عنه، لكن نور البصر الحسي لا يستقل بإدراك المؤثر في الأثر ما لم تمده الأنوار الباطنية العقلية، فالمدار إنما هو على الأنوار الباطنية، و أما الحسية فمدركة لكل أحد حتى البهائم، فلا خصوصية لها، و باللّه التوفيق. ثم المطلوب من العبد هو الترقي من نور شهود الأثر إلى نور الصفات، ثم إلى نور شهود الذات، و قد تقف بعض القلوب مع النور الأول، فتحجب عن الثاني، و مع الثاني فتحجب عن الثالث كما أبان ذلك بقوله: