ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣١٥ - ١٣٨ - لو لا ظهوره في المكونات ما وقع عليها وجود الصفات، و لو ظهرت صفاته اضمحلت مكوناته
١٣٨- [لو لا ظهوره في المكونات ما وقع عليها وجود الصفات، و لو ظهرت صفاته اضمحلت مكوناته].
قلت: كان اللّه و لا شيء معه، فكانت الخمرة الأزلية القديمة لطيفة خفية نورانية روحانية، و ليس هناك شكل و لا رسم، متصفة بصفات المعاني و المعنوية، متسمية بأسمائها القديمة، منعوتة بنعوت الجلال و الجمال، فاقتضت الخمرة ظهور حسنها و جمالها، و اقتضت الصفات ظهور آثارها، و الأسماء ظهور مطالبها، فقبضت الصفات من النور اللطيف قبضة نورانية لمقتضى اسمه الظاهر و اسمه القادر، فطلبها أيضا اسمه الباطن و اسمه الحكيم، فأبطنها في حال ظهورها، و غطاها في حال بروزها، فكانت ظاهرة باطنة، ثم تفرعت تلك القبضة على تفاريع كثيرة بعدد الصفات، و تنوعت على أجناس كثيرة بتنوع الأسماء: فالماء واحد و الزهر ألوان.
و في ذلك يقول صاحب العينية:
|
و كل الورى طرّا مظاهر طلعتي |
مراء بها من حسن وجهي لامع |
|
|
ظهرت بأوصاف البرية كلها |
أجل لي ذوات الكل نوري ساطع |
|
فبحر الجبروت فياض إلى عالم الملكوت، ثم احتجب بالحكمة، فصار ظاهره ظلمة و باطنه نورا، ظاهره حكمة و باطنه قدرة، ظاهره ملك و باطنه ملكوت، و الجميع جبروت. فإذا تقرر هذا علمت أن الأكوان لا وجود لها من ذاتها، فلو لا ظهور الحق بها ما ظهرت، و لا وقع عليها أبصار الخلق كما قال القائل:
|
من لا وجود لذاته من ذاته |
فوجوده لولاه عين محال |
|
و قال آخر:
|
فلم يبق إلا الحق لم يبق كائن |
فما ثم موصول و ما ثم بائن |
|
|
بذا جاء برهان العيان فما أرى |
بعيني شيئا غيره إذ أعاين |
|
و ظهوره تعالى بواسطة تجليات الأكوان فيه لطف كبير، إذ لا يمكن شهوده و معرفته إلا بواسطة هذه التجليات، و لو ظهر بالأوصاف التي كان عليها في الأزل بلا واسطة لتلاشت الكائنات