ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣١٤ - ١٣٧ - ما حجبك عن الله وجود موجود معه، إذ لا شيء معه، و لكن حجبك عنه توهم موجود معه
شيء، و عند كل شيء، و مع كل شيء، و قبل كل شيء، و بعد كل شيء، و فوق كل شيء، و تحت كل شيء، و قريبا من كل شيء، و محيطا بكل شيء، بقرب هو وصفه، و بحيطة هي نعته، وعد عن الظرفية و الحدود، و عن الأماكن و الجهات، و عن الصحبة و القرب في المسافات، و عن الدور بالمخلوقات، و امحق الكل بوصفه الأول و الآخر و الظاهر و الباطن، و هو هو:" كان اللّه و لا شيء معه" و هو الآن على ما عليه كان. انتهى. قال بعضهم: و نبه بقوله: وعد ... إلخ، على أن ما جرى من كلامه من الظروف ليست بزمانية و لا مكانية، لأنها من جملة الأكوان، و إنما هي أمور ذوقية، فاعتقد كمال التنزيه و بطلان التشبيه، و تمسك بقوله عز و جلّ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١]، و سلم ذلك لأهله، فإنهم على بصيرة فيما رمزوا إليه مما ذاقوه و وجدوه، بل هو من محض الإيمان و خالص العرفان، و هو حقيقة التوحيد وصفو الإيمان، و أما قوله: و هو الآن على ما هو عليه كان، و إن لم يرد في الحديث الصحيح، فهو في نفسه صحيح، و إذ لا وجود في الحقيقة للأشياء معه تعالى، و إنما هي كالخيال، و وجود الظلال، فلا تنسخ أحديته و لا ترفع فردانيته. و بالجملة فمن غلب عليه شهود الأحدية، و كوشف بسر الوحدانية، و استغرق في الحقيقة العيانية، انقطع الشعور بنفسه، و غاب عن السوى بالكلية، و إن رد إلى الشعور به رآه قائما به و ظاهرا فيه و به و حكما من أحكامه انتهى.
و قال في لطائف المنن: و أشبه شيء بوجود الكائنات إذا نظرت إليها بعين البصيرة وجود الظلال و الظل: لا موجود باعتبار جميع مراتب الوجود، و لا معدوم باعتبار جميع مراتب العدم.
و إذا ثبت ظلية للآثار لم تنسخ أحدية المؤثر، لأن الشيء إنما يشفع بمثله و يضم إلى شكله، كذلك أيضا من شهد ظلية الآثار لم تعقه عن اللّه، فإن ظلال الأشجار في الأنهار لا تعوق السفن عن التسيار، و من هاهنا تبين لك أن الحجاب ليس أمرا وجوديّا بينك و بين اللّه تعالى، و لو كان بينك و بينه حجاب وجودي للزم أن يكون أقرب إليك منه و لا شيء أقرب من اللّه، فرجعت حقيقة الحجاب إلى توهم الحجاب انتهى. و لما قرر أمر الوحدة و نفى وجود الغيرية، استشعر سائلا يقول له: و هذه المكونات الظاهرة فما نقول فيها مع ثبوت الوحدة؟ فأجاب بأنها قائمة به، و لو لا ظهور نوره فيها ما ظهرت، كما بين ذلك بقوله: