ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣١ - ٢ - إرادتك التجريد مع إقامة الله إياك في الأسباب من الشهوة الخفية، و إرادتك الأسباب مع إقامة الله إياك في التجريد انحطاط عن الهمة العلية
الظاهر إلى عمل الباطن لا بد أن يظهر أثره على الجوارح قال تعالى: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها [النمل: ٣٤]، و ظهور الأثر هو التجريد أشار إليه بقوله:
٢- إرادتك التّجريد مع إقامة اللّه إيّاك في الأسباب من الشهوة الخفيّة، و إرادتك الأسباب مع إقامة اللّه إياك في التجريد انحطاط عن الهمّة العليّة].
قلت: التجريد في اللغة هو التكشيط و الإزالة تقول: جردت الثوب أزلته عني و تجرد فلان أزال ثوبه و جردت الجلد أزلت شعره و أما عند الصوفية فهو على ثلاثة أقسام: تجريد الظاهر فقط أو الباطن فقط أو هما معا. فتجريد الظاهر:
هو ترك الأسباب الدنيوية و خرق العوائد الجسمانية. و التجريد الباطني: هو ترك العلائق النفسانية و العوائق الوهمية. و تجريدهما معا: هو ترك العلائق الباطنية و العوائد الجسمانية أو تقول: تجريد الظاهر: هو ترك كل ما يشغل الجوارح عن طاعة اللّه. و تجريد الباطن: هو ترك كل ما يشغل القلب عن الحضور مع اللّه.
و تجريدهما: هو إفراد القلب و القالب للّه. و التجريد الكامل في الظاهر: هو ترك الأسباب و تعرية البدن من معتاد الثياب، و في الباطن هو تجريد القلب من كل وصف ذميم و تحليته بكل وصف كريم، و هو أي التجريد الكامل الذي أشار إليه شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن المجذوب بقوله:
|
أقارئين علم التوحيد |
هنا البحور إليّ تنبى[١] |
|
|
هذا مقام أهل التجريد |
الواقفين مع ربّي |
|
و أما من جرد ظاهره دون باطنه فهو كذّاب، كمن كسا النحاس بالفضة:
باطنه قبيح و ظاهره مليح، و من جرد باطنه دون ظاهره إن تأتّى ذلك فهو حسن
[١] - الذي في المخطوط: تغني.