ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٦٤ - ١١٢ - لا يستحقر الورد إلا جهول، الوارد يوجد في الدار الآخرة، و الورد ينطوي بانطواء هذه الدار، و أولى ما يعتني به ما لا يخلف وجوده، الورد هو طالبه منك، و الوارد أنت تطلبه منه، و أين ما هو طالبه منك مما هو مطلبك منه؟
و أولى ما يعتني به العبد أيضا ما هو طالبه منه الحق تعالى و هو الورد، دون ما يطلبه هو منه و هو الوارد، فالورد من وظائف العبودية و هو الذي طلبه منا الحق تعالى، و الوارد من وظائف الحرية، و لذلك تطلبه النفس و تتعشق إليه، و أين ما هو طالبه منا مما هو مطلبنا منه؟ بينهما فرق كبير. قال الشيخ زروق رضي اللّه تعالى عنه: بينهما في القدر ما بينهما في الوصف، قضاء اللّه أحق، و شرط اللّه أوثق، و إنما الولاء لمن أعتق انتهى. فتحصل أن الاعتناء بالورد أفضل و أكمل من الاعتناء بالوارد، لأن الورد من وظائف العبودية و هي لا تنقطع ما دام العبد في هذه الدار، و كما أن حقوق الربوبية لا تنقطع، كذلك حقوق العبودية لا تنقطع. قال النقشبندي رحمه اللّه: و لهذا لم يترك العبادة سيد هذا المقام صلى اللّه عليه و آله و سلم حتى تورمت قدماه، فقيل له كيف تفعل هذا و قد غفر اللّه لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخر؟ فقال: «أفلا أكون عبدا شكورا[١]»، فأفاد صلى اللّه عليه و آله و سلم أن شكر النعمة تمام الخدمة، و هو موجب المزيد، قال تعالى:
لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم: ٨]، و هذا سيد الطائفة الجنيد رضي اللّه تعالى عنه، لم يترك أوراده في حال نزاعه، فقيل له في ذلك، فقال: و من أولى مني بذلك، و هذه صحائفي تطوى؟! فلم يترك الخدمة رضي اللّه تعالى عنه في مثل هذه الحالة فكيف بسواها، قيل له: إن جماعة يزعمون أنهم يصلون إلى حالة يسقط عنهم التكليف، قال: وصلوا و لكن إلى سقر، و قال في كلام آخر: هذا كلام من يقول بالإباحة، و السرقة و الزنا عندنا أهون حالا ممن يقول بهذه المقالة، و لقد صدق رضي اللّه تعالى عنه في قوله هذا، فإن الزاني و السارق عاص بزناه و سرقته، و لا يصل إلى حد الكفر، و أما القائل بسقوط الفرائض المعتقد لذلك فقد انسلّ من الدين كانسلال الشعرة من العجين، فعض على هذا الأصل بالنواجذ يا أخي، و لا تسمع كلام من أخذ الحقائق من الكتب و صار يتكلم
[١] - رواه البخاري( ١/ ٣٨٠). و مسلم( ٤/ ٢١٧١، ٢١٧٢)، و الترمذي( ٢/ ٢٦٨).