ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٦٢ - ١١٢ - لا يستحقر الورد إلا جهول، الوارد يوجد في الدار الآخرة، و الورد ينطوي بانطواء هذه الدار، و أولى ما يعتني به ما لا يخلف وجوده، الورد هو طالبه منك، و الوارد أنت تطلبه منه، و أين ما هو طالبه منك مما هو مطلبك منه؟
الباب الثاني عشر
قال رضى اللّه تعالى عنه:
١١٢- لا يستحقر الورد إلا جهول، الوارد يوجد في الدار الآخرة، و الورد ينطوي بانطواء هذه الدار، و أولى ما يعتني به ما لا يخلف وجوده، الورد هو طالبه منك، و الوارد أنت تطلبه منه، و أين ما هو طالبه منك مما هو مطلبك منه؟.
قلت: الورد في اللغة هو الشرب، قال تعالى: بِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ، [هود: ٩٨] و في الاصطلاح: ما يرتبه العبد على نفسه أو الشيخ على تلميذه من الأذكار و العبادات. و الوارد في اللغة هو الطارق و القادم، يقال ورد علينا فلان: أي قدم، و في الاصطلاح: ما يتحفه الحق تعالى قلوب أوليائه من النفحات الإلهية فيكسبه قوة محركة، و ربما يدهشه أو يغيبه عن حسه، و لا يكون إلا بغتة و لا يدوم على صاحبه، ثم إن الورد ينقسم على ثلاثة أقسام: ورد العباد و الزهاد من المجتهدين، و ورد أهل السلوك من السائرين، و ورد أهل الوصول من العارفين. فأما ورد المجتهدين فهو استغراق الأوقات في أنواع العبادات، و عبادتهم بين ذكر و دعاء و صلاة و صيام، و قد ذكر في الإحياء و القوت أوراد النهار و أوراد الليل، و عيّن لكل وقت وردا معلوما. و أما ورد السائرين فهو الخروج من الشواغل و الشواغب، و ترك العلائق و العوائق، و تطهير القلوب من المساوئ و العيوب، و تحليتها بالفضائل بعد تخليتها من الرذائل، و عبادتهم ذكر واحد، و هو ما يعينه له الشيخ لا يزيد عليه مع جمع القلب و حضوره مع الرب.
و أما ورد الواصلين فهو إسقاط الهوى و محبة المولى، و عبادتهم فكرة أو نظرة مع العكوف في الحضرة، فكل من أقامه مولاه في ورد فليتزمه، و لا يتعدى طوره، و لا يستحقر غيره، إذ العارف لا يستحقر شيئا، بل يصير مع كل واحد في