ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٢٤ - ٨٨ - العطاء من الخلق حرمان، و المنع من الله إحسان
و لم يتغير. و قيل لأبي محمد المرتعش رضي اللّه تعالى عنه: إن فلانا يمشي على الماء.
قال: عندي من مكنه اللّه من مخالفة هواه، فهو أعظم من المشي على الماء و في الهواء انتهى. و مخالفة الهوى إنما تكون بالزهد في كل شيء و الغيبة عن كل شيء. و كان شيخ شيخنا رضي اللّه تعالى عنه يقول: لا تفرحوا للفقير إذا رأيتموه يصلي كثيرا أو يذكر كثيرا أو يصوم كثيرا أو يعتزل كثيرا حتى تروه زهد في الدنيا و رحل عنها، و لم يبق له التفات إليها، فحينئذ يفرح به و لو قلت صلاته و صيامه و ذكره و عزلته. قلت: و مثل هذا تقدم في قوله: ما قل عمل برز من قلب زاهد، و كذلك قال في التنوير: لا تدل على فهم العبد كثرة علمه و لا مداومته على ورده، و إنما يدل على نوره و فهمه غناه بربه، و انحياشه إليه بقلبه، و تحرره من رق الطمع، و تحليه بحلية الورع، و بذلك تحسن الأعمال و تزكوا الأحوال انتهى. فما قاله شيخ شيخنا صحيح، لكن لا يفهمه إلا أهل الفن من أهل الذوق، إذ لا يجتمع مجاهدة و مشاهدة، و إنما تكون المجاهدة أولا، فإذا حصلت المشاهدة في الباطن ركدت الجوارح في الظاهر، و ما بقي إلا فكرة أو نظرة، و الأدب مع الحضرة. و ربما يعترض على الشيخ من لم يعرف مقصوده من جهلة علم الطريق، و باللّه التوفيق. و إنما يتحقق طي مسافة الدنيا بتحقق الزهد فيها، و لا يتحقق الزهد فيها إلا برفع الهمة عن الخلق، و التعلق بالملك الحق، و بالإياس مما في أيدي الناس، كما أبان ذلك بقوله:
٨٨- العطاء من الخلق حرمان، و المنع من اللّه إحسان.
قلت: إنما كان العطاء من الخلق حرمانا لثلاثة أوجه: أحدها: ما في ذلك من حظها و فرحها و التوصل إلى شهواتها و حظوظها، و في ذلك موت القلب و قسوته. الوجه الثاني: ما في ذلك من نقص الدرجات، و الغض عن كمال المراتب و المقامات، و لذلك ترك الأكابر التمتع بالشهوات لقوله تعالى: أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا [الأحقاف: ٢٠]، و قد يتعرض المريد للسؤال