ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٢٢ - ٨٧ - الطي الحقيقي أن تطوي مسافة الدنيا عنك، حتى ترى الآخرة أقرب إليك منك
الأرض فيحبّه أهل الأرض[١]»، و في رواية «يلقى له القبول في الماء فيشربه الناس فيحبّونه جميعا»، أو كما قال ٧. و سبب حب اللّه للعبد هو زهده في الدنيا.
ففي حديث الترمذي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم أنه قال: «ازهد في الدّنيا يحبّك اللّه، و ازهد فيما في أيدي النّاس يحبّك النّاس[٢]»، ثم اعلم أن هذا العز الذي يعطيه اللّه لأوليائه لا يكون في بدايتهم، و لا في أول أمرهم، لئلا يفتنهم الخلق عن الوصول إلى الحق، بل من لطف اللّه بهم و غيرته عليهم أن ينفر عنهم الخلق، أو يسلط عليهم حتى يتخلصوا من رق الأشياء و يتحققوا بالوصول و التمكين، فحينئذ إن شاء أظهر عزهم لينفع بهم عباده و يهدي بهم من شاء من خلقه، و إن شاء أخفاهم و استأثر بعزهم، حتى يقدموا عليه فينشر عزهم، و يظهر مكانتهم في دار لا فناء لها، و سيأتي الكلام على هذا في محله إن شاء اللّه.
ثم ذكر الشيخ سبب العز الذي لا يفنى و هو الزهد في الدنيا كما ذكرنا، فقال:
٨٧- الطيّ الحقيقيّ أن تطوي مسافة الدنيا عنك، حتّى ترى الآخرة أقرب إليك منك
قلت: الطي: هو اللف و الضم بحيث يصير الطويل قصيرا و الكبير صغيرا.
يقال: طويت الثوب أي ضممته، و ينقسم عند الصوفية إلى أربعة أقسام: طي الزمان، و طي المكان، و طي الدنيا، و طي النفوس. فأما طي الزمان: فهو أن يقصر في موضع، و يطول في موضع آخر، كمن مر عليه سنون في موضع، و في موضع آخر ساعة أو يوم، كالرجل الذي خرج يغتسل في الفرات يوم الجمعة قرب الزوال، فلما فرغ من غسله لم يجد ثيابه، فسلك طريقا حتى دخل مصر فتزوج فيها، و ولد له أولاد و بقي سبع سنين، ثم ذهب يغتسل يوم الجمعة بنيل
[١] - رواه البخاري( ٣/ ١٧٥)، و مسلم( ٤/ ٢٠٣٠)، و أحمد( ٢/ ٤١٣).
[٢] - رواه أحمد في جامع العلوم و الحكم( ١/ ١٠)، و الطبراني في الكبير( ٦/ ١٩٣)، و أبو نعيم في الحلية( ٧/ ١٣٦).