ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٢٠ - ٨٦ - إن أردت أن يكون لك عز لا يفنى فلا تستعزن بعز يفنى
|
إذا كان من تهوى عزيزا و لم تكن |
ذليلا له فاقر السلام على الوصل |
|
و سمعت شيخنا رضي اللّه تعالى عنه يقول: قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي اللّه تعالى عنه: و اللّه ما رأيت العز إلا في الذل. و قال شيخ شيخنا مولاي العربي رضي اللّه تعالى عنه: و أنا أقول و اللّه ما رأيت الذل إلا في الفقر، يعني أن الشيخ فسر الذل بالفقر، إذ لا يتحقق ذل الإنسان إلا بالفقر، فهو ذل الذل لأن النفس تموت بالفقر، و لا يبقى لها عرق أصلا، و اللّه تعالى أعلم. و أما العز بطاعة اللّه فهو بالمبادرة لامتثال أمره و اجتناب نهيه و الإكثار من ذكره و بذل المجهود في تحصيل بره، و أما العز بالقرب ممن تحقق عزه باللّه فيكون بصحبتهم و تعظيمهم و خدمتهم و حسن الأدب معهم، و هذا في التحقيق يرجع إلى التعزز باللّه لكونه وسيلة إليه، فإذا تحقق عزه باللّه استغنى بعز اللّه عن عز غيره، فمن حصل هذا العز و تحقق به فقد تعزز بعز لا يفنى أبدا، ينسحب عليه و على أولاده و أولاد أولاده إلى يوم القيامة، قال تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً [فاطر: ١٠]، و قال تعالى: وَ مَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ [المائدة: ٥٦]، و المراد بالذين آمنوا هم الأولياء أهل الإيمان الكامل، و قال تعالى: وَ لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ لكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ [المنافقون: ٨]. و قال سيدنا عليّ كرم اللّه تعالى وجهه: من أراد الغنى بغير مال و الكثرة بغير عشيرة فلينتقل من ذل المعصية إلى عز الطاعة انتهى. فمن تحقق عزه باللّه لم يقدر أحد أن يذله. و انظر قضية الرجل الذي أمر هارون الرشيد بالمعروف، فحنق عليه، فقال: اربطوه مع بغلة سيئة الخلق لتقتله، فلم تقض فيه شيئا، ثم قال: اسجنوه و طينوا عليه البيت، ففعلوا. فرؤى في بستان، فأتي به، فقال له: من أخرجك من السجن؟ فقال: الذي أدخلني البستان. فقالوا: و من أدخلك البستان؟ فقال: الذي أخرجني من السجن. فعلم هارون أنه لم يقدر على ذله، فأمر هارون أن يركب على دابة و ينادى عليه، ألا