ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢١٩ - ٨٦ - إن أردت أن يكون لك عز لا يفنى فلا تستعزن بعز يفنى
و الضار، و هو ثمرة التقوى و التصفية، أو تقول لما فيه من عين البصيرة التي لا ترى إلا المعاني، بخلاف عين البصر لا ترى إلا الحس، فتحصّل أن أهل النفوس وقفوا مع ظواهر الأشياء، و اغتروا بعاجلها، و لم يهتموا بآجلها، فحجبوا عن العمل و غرهم الأماني و طول الأمل، و في مثلهم ورد الخبر عن سيدنا عيسى ٧ كان يقول: ويلكم يا علماء السوء مثلكم كمثل قناة حش، ظاهرها جص، و باطنها نتن انتهى. و الحش هو بيت الخلاء، و أهل القلوب لم يقفوا مع ظواهر الأشياء بل نفذوا إلى بواطنها و اهتموا بآجلها و لم يغتروا بعاجلها، فاشتغلوا بالجد و الاجتهاد، و أخذوا في الأهبة و الاستعداد، و هم العباد و الزهاد، و أهل الأرواح و الأسرار لم يقفوا مع الأكوان، لا ظاهرها العاجل، و لا باطنها الآجل، بل نفذوا إلى نور الملكوت، فاشتغلوا بتطهير القلوب و التأهب لحضرة علام الغيوب، حتى صلحوا للحضرة و تنزهوا في رياض الفكرة و النظرة، أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [المجادلة: ٢٢]، أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ* فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ [الواقعة ١١: ١٢]، فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر: ٥٥]، جعلنا اللّه منهم بمنه و كرمه. و هؤلاء و من تعلق بهم هم الأعزاء عند اللّه، تعززوا بطاعة العزيز فأعزهم العزيز، كما أشار إلى ذلك بقوله:
٨٦- إن أردت أن يكون لك عزّ لا يفنى فلا تستعزّنّ بعز يفنى.
قلت: العز الذي لا يفنى هو العز باللّه و الغنى بطاعة اللّه، أو بالقرب ممن تحقق عزه باللّه، فالعز باللّه يكون بتعظيمه و إجلاله و هيبته و محبته و معرفته و حسن الأدب معه في كل شيء و على كل حال، و يكون بالرضا بأحكامه، و الخضوع تحت قهر جلاله و كبريائه و بالحياء و الخوف منه، و يكون بالذل و الانكسار كما قال الشاعر:
|
تذلّل لمن تهوى لتكسب عزّة |
فكم عزّة قد نالها المرء بالذّلّ |
|