ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١٩٥ - ٧٤ - متى رزقك الطاعة و الغنى به عنها، فاعلم أنه قد أسبغ عليك نعمه ظاهرة و باطنة
على يده، و ويل لمن خلقته للشرّ و أجريت الشرّ على يده[١]»، و في حديث آخر:
«من أراد أن يعلم ما له عند اللّه فلينظر ما للّه عنده[٢]»، و في رواية: «من أراد أن يعلم منزلته عند اللّه، فلينظر كيف منزلة اللّه تعالى من قلبه، فإن اللّه تعالى ينزل العبد حيث أنزله العبد من نفسه[٣]».
قال اللّه تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَ اتَّقى* وَ صَدَّقَ بِالْحُسْنى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى [الليل ٥: ٧]، و اللّه تعالى أعلم. ثم ذكر ميزانا آخر تعرف به المقربين و الأغنياء الشاكرين، فقال:
٧٤- متى رزقك الطاعة و الغنى به عنها، فاعلم أنّه قد أسبغ عليك نعمه ظاهرة و باطنة.
قلت: الطاعة: في الظاهر هي رسوم الشريعة، و الغنى: به في الباطن هو شواهد الحقيقة، فإذا جمع لك بين الطاعة في جوارحك، و الغنى به عنها في باطنها، فقد أسبغ عليك: أي أكمل و أطال عليك نعمه ظاهرة و باطنة، و هذه سمات العارفين المقربين الأغنياء باللّه الفقراء مما سواه، استغنوا بمعبودهم عن رؤية عبادتهم، و بمعلومهم عن علمهم، و بمصلحهم عن صلاحهم.
قال الشيخ أبو الحسن رضي اللّه تعالى عنه في حزبه الكبير: «نسألك الفقر مما سواك، و الغنى بك حتى لا نشهد إلا إياك»، فهؤلاء الأغنياء باللّه، الغائبون فيه عما سواه، عبادتهم باللّه و للّه و من اللّه قياما بشكر النعمة، و إتماما لوظائف الحكمة، و في الحديث عنه صلى اللّه عليه و آله و سلم: «أحبّ العباد إلى اللّه
[١] - رواه البيهقي في الاعتقاد( ١/ ١٤٥)، و الخطيب البغدادي في موضح أوهام الجمع و التفريق( ٢/ ١٥٣).
[٢] - رواه الترمذي في النوادر( ٢/ ٢٧٨)، و ابن عدي في الكامل( ٤/ ٢٦٢)، و ابن المبارك في الزهد( ١/ ٢٩١).
[٣] - رواه الترمذي في النوادر( ٤/ ٧٩).