ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١٤٦ - ٥٠ - لا صغيرة إذا قابلك عدله، و لا كبيرة إذا واجهك فضله
بعدلك، فلم تدع لي رجاء، فليت شعري كيف أرى إحساني مع إحسانك أم كيف أجهل فضلك مع عصيانك؟ انتهى. و معنى كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه: أن العبد إذا كان في المعصية شهد قهرية الحق و عظمته و ضعف نفسه و عجزه و اكتسب من المعصية انكسارا و ذلا لنفسه و تعظيما و إجلالا لربه، و هذا أفضل الطاعات، فقد نادته معصيته التي هو فيها بالطاعة التي يجتنيها منها، و إذا كان في الطاعة ربما شهد فيها نفسه و قصد متعته و حظه، فأشرك بربه و أخلّ بأدبه، و هذه معصية، فإذا كان في الطاعة نادته بهذه المعصية التي يجتنيها منها فلا يدري من أيهما يخاف و أيهما يرجو؟ و قوله: إن قلت بالمعصية إلخ.
أي إن نظرت إلى صورة المعصية قابلتني بفضلك، فانمحى اسمها و اندرس رسمها، و إن نظرت إلى صورة الطاعة قابلتني بعدلك، فاضمحلت و انمحت و بقي محض الرجاء من الكريم الوهاب الذي يعطي بلا سبب و يغطي بحمله المناقشة و العتاب، و اللّه تعالى أعلم، فتحصل أن العارف لا يقف مع معصية و إن جلت، و لا مع طاعة و إن عظمت، و هو معنى قوله:
٥٠- لا صغيرة إذا قابلك عدله، و لا كبيرة إذا واجهك فضله.
قلت: الصغيرة: هي الجريمة التي لا وعيد فيها من القرآن و لا من الحديث، و الكبيرة: هي التي توعّد عليها بالعذاب أو الحد في القرآن أو في السنة، و قيل غير ذلك هذا كله بالنظر لظاهر الأمر. و أما باعتبار ما عند اللّه من أمر غيبه، و بالنظر إلى حلمه و عدله، فقد يبرز خلاف ما يظن قال تعالى: وَ بَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر: ٤٧]، فمن سبقت له العناية لا تضره الجناية، فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ [الفرقان: ٧٠]، إن كانت الأعمال علامات فقد تختلف في بعض المقامات، فوجب استواء الرجاء و الخوف في بعض المقامات و التسليم للّه في كل الأوقات، إذ قد تمت كلمات ربك صدقا و عدلا لا مبدل لكلماته، فإذا قابلك الحق سبحانه و تعالى بعدله و جلاله لم تبق