ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١٢٦ - ٤٢ - لا ترحل من كون إلى كون فتكون كحمار الرحى يسير، و الذي ارتحل إليه هو الذي ارتحل عنه، و لكن ارحل من الأكوان إلى المكون و أن إلى ربك المنتهى
تَعْمَى الْأَبْصارُ [الحج: ٤٦] عن إدراك الحس، لأنها أدركته و حجبت به، وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ [الحج: ٤٦] عن إدراك المعنى، فلا ترى إلا الحس و لا تحب إلا إياه، و لا تطلب شيئا سواه، نسأل اللّه عافيته و هداه.
قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي اللّه تعالى عنه: عمى البصيرة في ثلاث: إرسال الجوارح في معاصي اللّه، و الطمع في خلق اللّه، و التصنع بطاعة اللّه اه. ثم إذا طلبت الحق الذي لا انفكاك لك عنه و رحلت إليه فاطلب معرفة ذاته لا زخارف جناته، إذ هي كون من مكوناته، و لذلك قال:
٤٢- لا ترحل من كون إلى كون فتكون كحمار الرحى يسير، و الذي ارتحل إليه هو الذي ارتحل عنه، و لكن ارحل من الأكوان إلى المكوّن وَ أَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى.
قلت: الرحيل من الكون إلى الكون هو الرحيل من السوى إلى طلب السوى، و ذلك كمن زهد في الدنيا و انقطع إلى اللّه، يطلب بذلك راحة بدنه، و إقبال الدنيا عليه، لقوله صلى اللّه عليه و آله و سلم: «من انقطع إلى اللّه كفاه كلّ مؤنة و رزقه من حيث لا يحتسب[١]» و لقوله أيضا: «من كانت الآخرة نيّته جمع اللّه عليه أمره، و جعل غناه في قلبه، و أتته الدنيا و هي صاغرة[٢]». و كمن زهد فيها يطلب الخصوصية كإقبال الخلق و العز و تربية المهابة في قلوب الناس، أو زهد فيها يطلب الكرامة و خوارق العادات، أو زهد فيها يطلب القصور و الحور فهذا كله رحيل من كون إلى كون، فمثله كحمار الطاحونة يسير الليل و النهار و هو في موضعه، فالذي ارتحل منه هو الذي ارتحل إليه، فمن كانت همته الحظوظ النفسانية
[١] - رواه البيهقي في الشعب( ٢/ ١٢٠)، و الخطيب في تاريخ بغداد( ٧/ ١٩٦)، و ابن الجوزي في العلل المتناهية( ٢/ ٨٠٤١).
[٢] - رواه ابن ماجه( ٢/ ١٣٧٥)، و أحمد في جامع العلوم و الحكم( ١/ ٣٠٠)، و ابن عبد البر في التمهيد( ٢١/ ٢٧٦).