ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١٢٣ - ٤٠ - إن لم تحسن ظنك به لأجل وصفه فحسن ظنك به لأجل معاملته معك، فهل عودك إلا حسنا؟ و هل أسدى إليك إلا مننا؟
[من لا يستطيع أن يرفع حاجة عن نفسه فكيف يستطيع أن يكون لها عن غيره رافعا؟].
قلت: من عجز عن إصلاح نفسه، فكيف يقدر أن يصلح غيره، ضعف الطالب و المطلوب. قال بعضهم: من اعتمد على غير اللّه، فهو في غرور، لأن الغرور ما لا يدوم و لا يدوم شيء سواه، و هو الدائم القديم الذي لم يزل، و لا يزال، و عطاؤه و فضله دائمان، فلا تعتمد إلا على من يدوم لك منه العطاء و الفضل انتهى. ثم إن الاعتماد على اللّه، و رفع الحوائج إليه، و الرجوع في كل النوازل إليه سببه حسن الظن به، كما أشار إليه بقوله:
٤٠- إن لم تحسن ظنّك به لأجل وصفه فحسّن ظنّك به لأجل معاملته معك، فهل عوّدك إلا حسنا؟ و هل أسدى إليك إلا مننا؟.
قلت: الناس في حسن الظن باللّه على قسمين: خواص، و عوام. أما الخواص: فحسن ظنهم باللّه تعالى ناشئ عن شهود جماله و رؤية كماله، فحسن ظنهم باللّه لا ينقطع، سواء واجههم بجماله أو بجلاله، لأن اتصافه تعالى بالرحمة و الرأفة و الكرم و الجود لا ينقطع، فإذا تجلى لهم بجلاله أو قهريته علموا ما في طي ذلك من تمام نعمته و شمول رحمته، فغلب عليهم شهود الرحمة و الجمال، فدام حسن ظنهم على كل حال. و أما العوام: فحسن ظنهم باللّه ناشئ عن شهود إحسانه، و حسن معاملته و امتنانه، فإذا نزلت بهم قهرية أو شدة نظروا إلى سالف إحسانه، و حسن ما أسدى إليهم من حسن لطفه و امتنانه، فقاسوا ما يأتي على ما مضى، فتلقوا ما يرد عليهم بالقبول و الرضا، و قد يضعف هذا الظن بضعف النظر و التفكر و يقوى بقوتهما، بخلاف الأول: فإنه ناشئ عن شهود الوصف و الوصف لا يتخلف. و الثاني: ناشئ عن شهود الفعل و هو يتخلف، فإن لم تقدر أيها المريد أن تحسن ظنك باللّه لشهود وصفه بالرأفة و الرحمة التي لا