التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩٩ - الطبقة الثامنة
كان ثقة في نفسه، صالحا ديّنا متبحّرا في هذا الفنّ، وكان يحطّ من ابن مجاهد قلّة علمه وضئالة اطلاعه، فكان يقول: هذا العطشيّ لم تغبّر قدماه في طلب العلم، يعني أنّه لم يرحل من بغداد، وهو كذلك سوى سفرته إلى الحج فحسب.
وكان ابن شنبوذ إذا أتاه رجل من القرّاء للأخذ عنه، قال: هل قرأت على ابن مجاهد؟
فإن قال: نعم، لم يقرئه.
وقد حقد عليه ابن مجاهد، فجعل يدسّ عليه عند الوزير ابن مقلة حتى أثاره عليه، وكان الذي أخذه عليه هو قراءته بالشواذ.
قال أبوبكر الأنهري: كنت ذلك اليوم- الذي نوظر فيه ابن شنبوذ- حاضرا مع جملة الفقهاء، وابن مجاهد بالحضرة وقد أحضر ابن شنبوذ وجرت معه مناظرات في حروف حكي عنه أنّه يقرأ بها وهي شواذّ، فاعترف ببعضها، فطلب إليه الوزير أن ينتهي عن القراءة بها وألزمه بشدّة، فأغلظ للوزير في الخطاب، وللقاضي، ولابن مجاهد، ونسبهم إلى قلّة المعرفة، وأنّهم لم يسافروا في طلب العلم كما سافر، فأمر الوزير بضربه سبع درر، وهو يدعو على الوزير بأن يقطع اللّه يده ويشتت شمله، وأخيرا اضطرّ إلى التوبة غصبا، فكتب ابن مجاهد بذلك محضرا، وفيه: اعترف ابن شنبوذ بما في هذه الرقعة بحضرتي. وكتب ابن مجاهد بيده يوم السبت لستٍ خلون من ربيع الآخر سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة.
قيل: إنّه لما ضرب بالدّرة، جرّد وأُقيم بين الهبارين، وضرب نحو العشر، فتألّم وصاح وأذعن بالرجوع وقيل: إنّه نفي من بغداد، فذهب إلى البصرة.
وقد استجيب دعاؤه على ابن مقلة، بعد ثلاث سنين، في منتصف شوال سنة ٣٢٦.
وفيها قطعت يده ثمّ قطع لسانه و حبس وضيّق عليه، وذاق الذلّ والهوان ومات في الحبس سنة ٣٢٨. وهي سنة وفاة ابن شنبوذ أيضا. كما هلك ابن مجاهد بعد سنة من حادثة ابن شنبوذ المؤلمة (أي سنة ٣٢٤).
٨- ابن الأنباري: محمد بن القاسم، أبوبكر المقرئ النحويّ البغداديّ، سمع من جماعة منهم الكريمي وهو أكبر شيخ له. روى عنه الداني كتاب الوقف والابتداء. قال