التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣١٨ - من سورة آلعمران - خمس آيات
قال الطبرسي: في الآية قولان: أحدهما: أنّها منسوخة. عن السدّي وقتادة والربيع.
وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبداللّه عليهماالسلام. والآخر أنّها غير منسوخة. عن ابن عباس وطاووس. وأنكر الجبائي نسخ هذه الآية لما فيه من إباحة بعض المعاصي.[١]
قال أبوبصير: سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن هذه الآية؟ فقال: منسوخة. قلت: وما التي نسختها؟ قال: «اتقوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ».[٢] أقول: لامجال للقول بالنسخ المصطلح في الآية الكريمة- أوّلًا- لأنّ الالتزام بالنسخ هنا، يستدعي أن تكون الآية الأُولى قد أوجبت تكليفا فوق المستطاع حتى نسخت بالتكليف وفق المستطاع! وهذا محال على اللّه سبحانه.
وثانيا: لاتنافي بين الآيتين كي تكون إحداهما ناسخة للأُخرى، وذلك لأنّ القدرة شرط عامّ لكلّ تكاليف الشريعة، والأمر بالتقوى- العمل بالوظائف المقرّرة- في الآية الأُولى متقيّد بالاستطاعة عقلًا وإجماعا بلاشك، لاسيّما بعد ماورد في تفسيرها عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله وعن الإمام الصادق عليه السلام أن يطاع ولايعصى[٣] والإطاعة مشروطة الاستطاعة لامحالة.
إذن فالآية الثانية جاءت مفسّرة للآية الاولى وموضّحة لفحواها فكيف تكون ناسخة لها؟!
نعم في بادئ البدء قد يفهم من الآية وجوب العمل بجميع التكاليف الواردة في الشريعة كملا. كما أنزلها اللّه وكما أرادها تامّة كاملة استفادة من إضافة التقى إلى اللّه. ولعلّ المسلمين الأوائل هكذا فهموا من الآية الكريمة. غير أنّ النظر الدقيق- وبعد أن حرّر المحقّقون من الفقهاء أُصول أحكام التشريع- يقتضي فهما غير هذا. وأن لافرق بين الآيتين في تقيّد التكليف بالاستطاعة.
ولعلّ النسخ في كلام الإمام- على فرض صحّة الرواية- وكذا في كلام السلف يعني إزالة ما كانت تتوهّمه أفهام العامّة في ظاهر الآية الأُولى من التكليف المطلق.
[١] - مجمع البيان، ج ٢، ص ٤٨٢.
[٢] - تفسير العياشي، ج ١، ص ١٩٤.
[٣] - الدرّ المنثور، ج ٢، ص ٥٩؛ والصافي في تفسير القرآن، ج ١، ص ٢٨٤.