التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٣ - شبهات حول النسخ في القرآن
قبيح.
(الجواب): أنّ مضاعفات جهل كلّ إنسان تعود إلى نفسه، ولم يكن الجهل يوما ما عذرا مقبولًا لدى العقلاء. فإذا كانت المصلحة تستدعي نسخ تشريع سابق بتشريع لاحق، فعلى المكلّفين أن يتنبّهوا هم على هذا الاحتمال في التشريع، ولاسيّما إذا كان التشريع في بدء حركة إصلاحية آخذة في التدرّج نحو الكمال.
وهكذا كان في القرآن ناسخ ومنسوخ، وعامّ وخاصّ، وإطلاق وتقييد، ومحكم ومتشابه، وليس لأحد التسرّع إلى الأخذ بآية حتى يعرف نوعيّتها، كما ورد التنبيه على ذلك في أحاديث مستفيضة عن أئمّة الدين، قال علي عليه السلام لقاض مرّ عليه: هل تعرف الناسخ من المنسوخ؟ فقال القاضي: لا. فقال أميرالمؤمنين عليه السلام: إذن هلكت وأهلكت.[١]
(الشبهة الثالثة): أنّ الالتزام بوجود آيات ناسخة وآيات منسوخة في القرآن يستدعي وجود تناف بين آياته الكريمة، الأمر الذي يناقضه قوله تعالى: «أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً»[٢] وبهذا الاستدلال تمسّك سيّدنا الأُستاذ رحمه الله في نكران وجود هكذا نسخ في القرآن الكريم.[٣]
(الجواب): أنّ الاختلاف الذي تنفيه الآية الكريمة، هو ما إذا كان حقيقيّا في ظرف الواقع. أمّا إذا كان شكليّا وفي ظاهر الأمر- كما بين الناسخ والمنسوخ- فلا تناقضه الآية إطلاقا.
مثلًا يشترط في الاختلاف الحقيقي (التناقض) أُمور ثمانية[٤] منها وحدة الزمان ووحدة الملاك والشرط، وإذا تخلّف أحدها فلا تنافي ولا اختلاف، كما في الناسخ، ظرفه متأخّر، وملاكه مصلحة أُخرى، تبدّلت عن مصلحة سابقة كانت مستدعية لذلك الحكم المنسوخ.
[١] - الإتقان، ج ٣، ص ٥٩؛ ومناهل العرفان، ج ٢، ص ١٧٥؛ والبحار، ج ٩٢، ص ٩٥.
[٢] - النساء ٨٢: ٤.
[٣] - راجع: البيان في تفسير القرآن، ص ٣٠٦.
[٤] - راجع: المنطق للعلّامة المظفّر، الفصل الثاني في أحكام القضايا، ج ٢، ص ٤٢.