التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩ - ٦ - تحكيم الرأي والاجتهاد
للمصدر. وجرّ «شركائهم» على إضافة المصدر إليه مع الفصل[١] وأمثال ذلك كثيرة في توجيه القراءات الشاذّة.
والكتب في توجيه القراءات، ولاسيّما الشاذّة وذكر عللها وحججها كثيرة، منها:
الحجة لأبي علي الفارسي، والمحتسب لابن جنّي، وإملاء مامنّ به الرحمان لأبي البقاء، والكشف عن وجوه القراءات السبع لمكّيّ بن أبي طالب. وغير ذلك ممّا يطول.
وإليك نماذج من تعاليل وحجج اعتمد عليها القرّاء تكفي برهنة على مدى تحكيم الرأي والاجتهاد في الاختيار.
قرأ ورش وحفص وأبوعمر: «البيوت، والغيوب، والجيوب، والشيوخ، والعيون»[٢] بالضمّ في أوائلها.
وقرأ قالون وهشام بكسر الباء من «البيوت» وضمّ باقيها.
وقرأ حمزة بالكسر في أوائلها كلّها.
وقرأ ابن ذكوان وابن كثير والكسائي بضمّ الغين من «الغيوب» وكسر باقيها.
قال مكّي: ووجه القراءة فيهن بالضمّ: أنّه أتى بهنّ على الأصل ولم يسأل عن الياء وضمّتها. وباب «فَعْل»- بسكون العين وفتح الفاء- في الجمع الكثير «فُعول» بضمّ الفاء.
ولمّا كان هذا النوع، لايجوز فيه إلّا الضمّ إذا لم يكن الثاني ياء، نحو: «كعوب، ودهور» أجرى ماثانيه ياء على ذلك، لأنّه أصله ولئلّا يختلف.
ووجه القراءة بالكسر: أنّ الكسرة مع الياء أخفّ من الضمّة معها، والجمع أيضا ثقيل، فكسر الأوّل للتخفيف، ولتقرّب الحركة من الحرف الذي بعدها. فقد قالوا: شِهِد ولِعِب، بكسر أوّليهما. وهكذا قالوا: سِعيد وشِهيد ورِغيف، فكسروا الأوّل للثاني، إذ هو حرف حلق، للتقريب من حركته. فكذلك كسروا أوائل هذه الجموع للتقريب من الحرف الثاني.
[١] - إتحاف فضلاء البشر، ص ٢١٧؛ وسيأتي طعن الزمخشري وسائر الأئمة عليه.
[٢] - الأوّل في البقرة ١٨٩: ٢؛ والثاني في المائدة ١٠٩: ٥؛ والثالث في النور ٣١: ٢٤؛ والرابع في غافر ٦٧: ٤٠؛ والخامس في الحجر ٤٥: ١٥.