التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٤ - ٣ - نسخ الحكم دون التلاوة
أنّهم وجدوا التنافي بين الآيتين، بحيث لم يمكن الجمع بينهما تشريعيّا، ومن ثمّ أخذوا من الثانية المتأخّرة نزولا ناسخة للأُولى.
ويجب أن يكون التنافي بين الآيتين كلّيّا- على وجه التباين الكلّي- لاجزئيّا وفي بعض الوجوه، لأنّ الأخير أشبه بالتخصيص منه إلى النسخ المصطلح، وقد تسامح بعض الباحثين، فأخذ من ظاهر التنافي- ولو جزئيّا- دليلًا على النسخ، فقال بنسخ العامّ بالخاصّ ونسخ الإطلاق بالتقييد[١] ولكن عمدة عذره هبوط مستواه العلمي في مبادئ علم الأُصول.
*** (ملحوظة): يشترط في هذا القسم الثالث، وجود نصّ صحيح وأثر قطعيّ صريح، يدعمه إجماع القدامى. إذ من الصعب جدّا الوقوف على تأريخ نزول آية في تقدّمها وتأخّرها، ولاعبرة بثبت آية قبل أُخرى في المصحف، إذ كثير من آيات ناسخة هي متقدّمة في ثبتها على المنسوخة، كما في آية العِدَد برقم: ٢٣٤ من سورة البقرة، وهي ناسخة لآية الإمتاع إلى الحول برقم: ٢٤٠ من نفس السورة، وهذا إجماع.
كما أنّ التنافي- على الوجه الكلّي- لايمكن القطع به بين آيتين قرآنيّتين سوى عن نصّ معصوم، لأنّ للقرآن ظاهرا وباطنا ومحكما ومتشابها، وليس من السهل الوقوف على كنه آية مهما كانت محكمة.
هذا ... وقد أخذ سيّدنا الأُستاذ رحمه الله من هذا الأخير مستمسكا لنكران هذا النحو- الثالث- من النسخ، قال: والتحقيق أنّ هذاالقسم من النسخ غير واقع في القرآن، كيف وقد قال اللّه عزّوجل: «أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً».[٢]
لكن سنبيّن: أن لاتنافي بين الناسخ والمنسوخ في متن الواقع، وإنّما هو تناف ظاهريّ، إذ الحكم المنسوخ هو في الحقيقة حكم محدود في علم اللّه من أوّل تشريعه،
[١] - سيبدو ذلك عندما نستعرض الآيات المنسوخة.
[٢] - النساء ٨٢: ٤. راجع: البيان في تفسير القرآن، ص ٣٠٦.