التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨ - ٦ - تحكيم الرأي والاجتهاد
أنكروا على حمزة كثيرا من قراءاته، ولم يكن يعبأ بهم لقوّة ما كان يراه من حجج.[١] وهكذا استبدّ ابن شنبوذ بما كان يراه صحيحا وإن كان على خلاف المرسوم العثماني، فعقد لاستتابته مجلس بحضرة الوزير ابن مقلة، فأغلظ في الكلام عليهم أوّلا، حتى أمر الوزير بضربه سياطا ألجأته إلى إعلان توبته مقهورا عليه.[٢] وانعقد مجلس آخر لأبي بكر ابن مقسم، الذي كان يختار من القراءات مابدا له أصحّ في العربية ولو خالف النقل أو رسم المصحف.[٣]
نعم لم يكن إنكارهم على أمثال هؤلاء لجانب تحكيمهم للآراء والأذواق الاجتهادية، بل لجانب خروجهم عن موافقة مرسوم الخطّ، فالقراءة إذا كانت متوافقة مع ظاهر الرسم فلا تعد منكرة.
وقد كانت ميزة القرّاء السبعة وغيرهم من المشهورين المعتمدين، هو التزامهم بموافقة الرسم خطّا، كما يحدّثنا أبو محمد مكي بأنّ حفصا قرأ «كفوا» بالواو، فخفّف الهمزة واوا. وكان حقّه أن ينقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها، فيقول: كفا، لكنّه رفض ذلك لئلّا يخالف الخط، فأعمل الضمّة الأصليّة.
ومن ثمّ تلك المحاولات لتوجيه القراءات الشاذّة، بل لمطلق القراءات إذا كانت موافقة للرسم.
انظر كيف يوجّه الدمياطي قراءة حمزة: «وَاتَّقُواللّه الّذي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحامِ»[٤] بجرّ الأرحام عطفا على الضمير المجرور بالحرف، وفق مذهب الكوفيّين.[٥] ويوجّه قراءة ابن عامر: «وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِكَثيرٍ مِنَ الْمُشرِكينَ قَتْلُ أَولادَهم شُرَكائِهِمْ»[٦] قرأ «قتلُ» مرفوعا نائب فاعل ل- «زُيِّنَ» التي قرأها مبنيّة للمفعول. ونصب «أولادَهم» على أنّه مفعول به
[١] - تهذيب التهذيب لابن حجر، ج ٣، ص ٢٧.
[٢] - غاية النهاية، ج ٢، ص ٥٤.
[٣] - الإتقان، ج ١، ص ٢١٤؛ وغاية النهاية، ج ٢، ص ١٢٤.
[٤] - النساء ١: ٤.
[٥] - إتحاف فضلاء البشر، ص ١٨٥.
[٦] - الأنعام ١٣٧: ٦.