التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦٣ - الناسخ والمنسوخ في القرآن
الناسخ والمنسوخ في القرآن
من طبيعة الحركة الإصلاحية الآخذة إلى التقدّم بوجه عامّ، أن يتوارد على تشريعاتها نسخ متتابع، حسب تدرّجها التصاعدي نحو قمّة الكمال. تلك طبيعة الحركة الإصلاحيّة محتمة، ولاسيّما إذا كانت الأُمَّة التي انبعثت فيها هذه النهضة التقدّميّة أُمَّة متوغّلة في الضلال وبعيدة عن معالم الحضارة إلى حدّ كبير حيث الانتشال بها من واقعها السحيق والانسجام مع سجيّتها المتوحّشة، لما يبدو متعذّرا ويتطلّب طيّ عقبات ومراحل متلاحقة.
وهكذا استدعت التشريعات الإسلاميّة نسخا متتاليا منذ أن ظهرت الدعوة في مكة المكرّمة وحتى إلى ما عبد الهجرة إلى المدينة المنوّرة، وقد انتهت شريعة النسخ- فيما يخصّ آي الذكر الحكيم- بوفاته صلى الله عليه و آله حيث انقطاع الوحي.
وكانت ظاهرة النسخ أمرا لابدّ منه في كلّ تشريع يحاول تركيز معالمه في الأعماق، والأخذ بيد أُمّة جاهلة إلى مستوى عالٍ من الحضارة الراقية. الأمر الذي لايتناسب مع الطفرة المستحيلة، لولا الأناة والسير التدريجي المستمرّ خطوة بعد خطوة.[١]
ومن ثمّ فإنّ النسخ ضرورة واقعيّة تتطلّبها مصلحة الأُمَّة ذاتها، ولم يكد ينكر مالهذه
[١] - وسيوافيك بيان الحكمة في شريعة النسخ عند التعرّض للشبهات الشبهة الرابعة.