التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٠٠ - أنواع اختلاف القراءات
والقصر، والإمالة، والفتح والتحقيق، والتسهيل، والإبدال، والنقل، ممّا يعبّر عنه بالأُصول، فهذا ليس من الاختلاف الذي يتنوّع فيه اللفظ والمعنى، لأنّ هذه الصفات المتنوّعة في أدائه لاتخرجه عن أن يكون لفظا واحدا. ولئن فرض، فيكون من الأوّل.[١]
قلت: إن كان حديث السبعة الأحرف ناظرا إلى تنوّع لغات العرب في التعبير والأداء- كما رجّحناه واختاره المحقّقون السلف- فإنّ ماذكره أخيرا هي العمدة في اختلاف القراءة. أمّا ما ذكره من الوجوه السبعة فلا يدخل أكثرها في الرخصة المستفادة من الحديث، ولا أظنّ بمثله أن يرخّصها كما لم يرخّصها سائر العلماء المحقّقين، فكيف ينزّل الحديث عليها؟!
قال الأستاذ الزرقاني: إنَّ هذا العذر الذي قدّمه ابن قتيبة لإهمال هذا الوجه، لايُسوِّغ ذلك الإهمال. فإنّ المسألة ليست مسألة أسماء وعناوين يترتّب عليها أنّ اختلاف اللهجات في اللفظ الواحد تخرجه عن أن يكون واحدا أو لا تخرجه، بل المسألة مسألة رعاية أمر واقع تختلف به القراءات فعلًا.
وأمر آخر: هو أنّ التيسير على الأُمَّة، لايتحقّق على الوجه الأكمل إلّا بحسبان هذا الوجه الذي نوّه به الرازي- سنذكره- وهو اختلاف اللهجات. بل هذا قد يكون أولى بالحسبان وأحرى بالرعاية في باب التخفيف والتيسير، لأنّه قد يسهل على المرء أن ينطق بكلمة من غير لغته في جوهرها، ولايسهل عليه أن ينطق بكلمة من لغته نفسها بلهجة غير لهجته، وطريقة الأداء غير طريقته.
ذلك، لأنّ الترقيق والتفخيم، والهمز والتسهيل، والإظهار والإدغام، والفتح والإمالة، ونحوها أُمور دقيقة، وكيفيّات مكتنفة بشيء من الغموض والعسر في النطق على من لم يتعوّدها ولم ينشأ عليها.
[١] - النشر، ج ١، ص ٢٦- ٢٧؛ وسنشرح من كلام الرازي ما هو أوفى.