التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٢١ - كلام عن الكبائر
و كذا قوله تعالى: وَ يَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى. الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ[١].
قالوا: و هل لا يكون ذلك إغراء بارتكاب محرّمات و قبائح نهى اللّه عنها، فما موقع النهي و ما فائدة التحريم و التقبيح؟!
قال الشيخ المفيد: «ليس في الذنوب صغيرة في نفسه و إنّما يكون فيها بالإضافة إلى غيره، و هو مذهب أكثر أهل الإمامة و الإرجاء[٢]. و بنو نوبخت[٣] يخالفون فيه و يذهبون في خلافه إلى مذهب أهل الوعيد[٤] و الاعتزال»[٥].
و قال الشيخ الطوسيّ: «و المعاصي و إن كانت كلّها عندنا كبائر، من حيث كانت معصية للّه تعالى، فإنّا نقول: إنّ بعضها أكبر من بعض، ففيها إذن كبير بالإضافة إلى ما هو أصغر منه. و قال ابن عبّاس: كلّ ما نهى اللّه عنه فهو كبير»[٦].
[١] النجم ٥٣: ٣١- ٣٢. و سنذكر أنّ الإضافة في الآيتين من قبيل إضافة البيان، أي الكبائر الّتي هي ما تنهون عنه.
و الكبائر الّتي هي الإثم و الفواحش. و ليست من إضافة التبعيض كي يتوهّم أنّ هناك من المناهي و الآثام ما هي كبائر و صغائر.
[٢] المرجئة طوائف منتسبة إلى أهل السنّة يقولون: لا تضرّ مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة. و المؤمن العاصي له رجاء الغفران و الثواب تفضّلا. و لا يخرج بارتكاب كبيرة عن الإيمان. و إنّ مرتكب الكبيرة لا يخلد في النار.
و كان أبو حنيفة من أصحاب هذا الرأي. قيل: أوّل من قال بالإرجاء هو الحسن بن محمّد بن عليّ بن أبي طالب عليه السّلام. الملل و النحل للشهرستاني ١: ١٣٩ و ١٤٦، الفصل الخامس: المرجئة. و راجع مقالات الإسلاميّين لأبي الحسن الأشعري ١: ٢٣١.
[٣] نوبخت من أعاظم المنجّمين الفرس، اعتنق الإسلام هو و ابنه أبو سهل منذ بداية القرن الثاني، و كان لأبي سهل عشرة أبناء كلّهم أفاضل علماء. و هكذا أحفادهم حتّى القرن الخامس؛ كانوا من أبرز متكلّمي الشيعة الإماميّة. و لهم تآليف و تراجم قيّمة في مختلف العلوم و الفنون و لا سيّما في الكلام و النجوم.( دهخدا ٢: ١٦٥- ١٦٦« آل نوبخت»).
[٤] الوعيديّة- عدّهم الشهرستاني من الخوارج- يقولون بتخليد أصحاب الكبائر في النار، لأنّ صاحب الكبيرة كافر عندهم. و قد عدّهم المفيد من فرق الاعتزال، لأنّ هذا هو قول المعتزلة. الملل و النحل ١: ١١٤، الفصل الرابع: الخوارج.
( أوائل المقالات: ١٤).
[٥] أوائل المقالات: ٨٣.
[٦] التبيان ٣: ١٨٢.