التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٨ - سورة البقرة(٢) آية ١٩١
و هذه النظرة الإسلاميّة لحرّيّة العقيدة، و إعطاؤها هذه القيمة الكبرى في حياة البشريّة. هي الّتي تتّفق مع طبيعة الإسلام و نظرته إلى غاية الوجود الإنساني؛ فغاية الوجود الإنساني هي العبادة، و يدخل في نطاقها كلّ نشاط خير يتّجه به صاحبه إلى اللّه. و أكرم ما في الإنسان حرّيّة الاعتقاد.
فالّذي يسلبه هذه الحرّيّة و يفتنه عن دينه فتنة مباشرة أو بالواسطة، يجني عليه ما لا يجني عليه قاتل حياته. و من ثمّ يدفعه بالقتل. لذلك لم يقل: «و قاتلوهم»، إنّما قال: وَ اقْتُلُوهُمْ. وَ اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ أي حيث وجدتموهم، في أيّة حالة كانوا عليها، و بأيّة وسيلة تملكونها، مع مراعاة أدب الإسلام في عدم المثلة أو الحرق أو القتل صبرا (القتل بزجر).
[٢/ ٥٢٨٣] أخرج عبد بن حميد و ابن جرير عن مجاهد في قوله تعالى: وَ الْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ قال: ارتداد المؤمن إلى الوثن أشدّ عليه من أن يقتل محقا[١].
[٢/ ٥٢٨٤] و أخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك قال: الفتنة الّتي أنتم مقيمون عليها أكبر من القتل[٢].
[٢/ ٥٢٨٥] و أخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: فتنة الكفر[٣].
و عن آخرين: الفتنة الشرك[٤]. أي الحالة الّتي عليها أهل الشرك من الزيغ و الفساد في الأرض.
[٢/ ٥٢٨٦] و أخرج البخاري عن نافع عن ابن عمر، أنّ رجلا[٥] جاءه فقال: يا أبا عبد الرحمن،
[١] الدرّ ١: ٤٩٤؛ الطبري ٢: ٢٦١/ ٢٥٣٦؛ القرطبي ٢: ٣٥١، بلفظ: وَ الْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ: أي من أن يقتل المؤمن.
فالقتل أخفّ عليه من الفتنة.
[٢] الدرّ ١: ٤٩٤؛ ابن أبي حاتم ١: ٣٢٦/ ١٧٢٧؛ ابن كثير ١: ٢٣٣.
[٣] الطبري ٢: ٢٦٢.
[٤] الطبري ٢: ٢٦١؛ الثعلبي ٢: ٨٨؛ ابن أبي حاتم ١: ٣٢٦؛ عبد الرزّاق ١: ٣١٤.
[٥] قال ابن حجر: تقدّم في تفسير سورة البقرة ما أخرج سعيد بن منصور من أنّ السائل هو حيّان صاحب الدثنية. و روى أبو بكر النجّاد في فوائده أنّه الهيثم بن حنش. و قيل: نافع بن الأزرق. و سأذكر في الطريق الّتي بعد هذه قولا آخر. قال:
و لعلّ السائلين عن ذلك جماعة، أو تعدّدت القصّة.( فتح الباري ٨: ٢٣٢).