التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٨ - ملاحظات
قال: و ذكر ابن العربي في «العارضة» عن ابن القاسم عن مالك: كان في أوّل الإسلام، من رقد قبل أن يطعم، لم يطعم من اللّيل شيئا، فأنزل اللّه: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ، فأكلوا بعد ذلك[١]. فقوله تعالى: عَلِمَ اللَّهُ دليل على أنّ القرآن نزل بهذا الحكم لزيادة البيان؛ إذ علم اللّه ما ضيّق به بعض المسلمين على أنفسهم، و أوحى به إلى رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم! و هذا يشير إلى أنّ المسلمين كانوا لم يفشوا ذلك و لا أخبروا به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم. و لذلك لا نجد في روايات البخاري و النسائي أنّ الناس ذكروا ذلك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلّا في حديث قيس بن صرمة عند أبي داود[٢]. و لعلّه من زيادات الراوي!
قال: فأمّا أن يكون ذلك قد شرع ثمّ نسخ، فلا أحسبه؛ إذ ليس من شأن الدين الّذي شرع الصوم أوّل مرّة يوما في السنة[٣]، ثمّ درّجه فشرع الصوم شهرا على التخيير بينه و بين الإطعام تخفيفا على المسلمين أن يفرضه بعد ذلك ليلا و نهارا، فلا يبيح الفطر إلّا ساعات قليلة من اللّيل![٤]
*** قد يقال: إنّ هذا التأويل يخالف ظاهر التعبير، حيث قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ. و هو ظاهر في أنّه كان محرّما ثمّ أحلّ تسهيلا على الأمّة.
قال سيّدنا العلّامة الطباطبائي رحمه اللّه: لو لا حرمة سابقة، كان حقّ الكلام أن يقال: فلا جناح عليكم أن تباشروهنّ. أو ما يؤدّي هذا المعنى.
و كذا قوله تعالى: كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَ عَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَ ظاهر في تشديد سابق، ثمّ خفّف عنهم.
قال رحمه اللّه: هذه التعابير و إن لم تكن صريحة في النسخ، غير أنّ لها كمال الظهور في ذلك. إذ لو كان الجواز مستمرّا قبل نزول الآية و بعدها على سواء، لم يكن لهذا التعبير وجه معقول[٥].
قلت: التعبير بأحلّ لا يشعر بسابق تحريم، على ما تعارفه القرآن في التعبير بهذا اللفظ. فقوله تعالى: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ[٦] لا يدلّ على سابق تحريم.
[١] انظر: الدرّ ١: ٤٧٨. و الطبري ٢: ٢٢٧- ٢٢٨/ ٢٤٢١.
[٢] أبو داود ١: ٥١٩/ ٢٣١٤. و فيه:« صرمة بن قيس».
[٣] كما كان في شرائع السلف.
[٤] التحرير و التنوير ٢: ١٧٨- ١٧٩.
[٥] الميزان ٢: ٤٤- ٤٥.
[٦] المائدة ٥: ١.