التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٨١ - ما أسكر كثيره فقليله حرام
و العفو من المال: ما فضل عن النفقة و لا عسر على صاحبه في الإعطاء: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ[١].
و العفو: الوسط، لا إسراف و لا تقتير: وَ الَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً[٢].
و العفو: القصد و الكفاف كما في الحديث الآتي[٣].
فهذه عشرة معان للعفو في الآية الكريمة، و لا يبعد أن يكون الجميع مقصودا، لجامع الاشتراك بينها في المآل.
قوله تعالى: كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ. فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ
فهذا بيان لاستجاشة التفكّر و التدبّر فيما جاء التكليف به أو الحثّ عليه في شأن من شئون الدنيا و الآخرة. و هما متلازمتان، و كانت الدنيا السعيدة طريقا معبّدا للحصول على نعيم الآخرة حيث السعادة الخالدة. فالدنيا شطر الحياة الأدنى و الأقصر، لو لا أن كانت مدعاة إلى الشطر الآخر الأفسح الأعلى بلا نهاية.
و مسألة الإنفاق بالذات في حاجة إلى حساب الدنيا و الآخرة معا. فما ينقص من مال المرء بالإنفاق في سبيل الخير، يعود عليه بطهارة لقلبه و زكاة لمشاعره، كما يعود على المجتمع بالصلاح و الوئام و السّلام. هذا فضلا عمّا ينتظره من ثواب الآخرة و حسناتها الباقية.
فلا يرجع المنفق ماله في سبيل اللّه خاسرا صفقته تلك المربحة، و قد ضوعفت له أضعافا كثيرة؛ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَ اللَّهُ يَقْبِضُ وَ يَبْصُطُ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ[٤].
[٢/ ٦٤٥٠] روى العيّاشيّ بالإسناد إلى يوسف عن أبي عبد اللّه أو أبي جعفر عليهما السّلام في قوله تعالى:
وَ يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ قال: «الكفاف». و في رواية أبي بصير: «القصد»[٥].
[٢/ ٦٤٥١] و عن عبد الرحمن قال: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن قوله: وَ يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ
[١] الطلاق ٦٥: ٧.
[٢] الفرقان ٢٥: ٦٧.
[٣] العيّاشيّ ١: ١٢٥/ ٣١٧- ٣١٨.
[٤] البقرة ٢: ٢٤٥.
[٥] العيّاشيّ ١: ١٢٥/ ٣١٧- ٣١٨؛ البرهان ١: ٤٦٨/ ١١.