التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٠٢ - التكفير بين العموم و الخصوص
إذن فلا بدّ من تأويل ما ورد في الكتاب و السنّة ما ظاهره عموم التكفير، إمّا باختصاصه ببعض الذنوب كالصغائر مثلا، أو بصورة ما إذا حصل من المرتكب ندم على ما فرط منه، فإذا قام بحسنة كصلاة و صدقة في سبيل اللّه، كان ذلك من موجبات قبول توبته و غفران ذنبه، أمّا وقوع مطلق الحسنات كفّارة لمطلق السيّئات كبيرة و صغيرة، سواء أندم عليها أم لم يندم، و سواء أ كان بانيا على تركها أم مصرّا على فعلها، فهذا ممّا لا نستطيع الموافقة عليه، ما دام مذهبنا يرى العدل و الحكمة في أفعاله تعالى!
و إليك من الآيات ما تعرّضت لظاهرة التكفير:
١- قال تعالى: وَ أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَ زُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ[١].
و ربما تواترت الروايات بشأن الصلوات الخمس، إذا قام المسلم فتوضّأ فأحسن الوضوء، ثمّ صلّى الصلوات الخمس، تحاتّت خطاياه كما يتحاتّ الورق من الغصن اليابس[٢].
و لنتساءل: هل هذا عامّ يشمل النادم و المصرّ؟ أو الكبائر كلّها؟ فليرتكب أصحاب الجرائم و الكبائر ما بدا لهم من ذنوب و آثام، و لا مبالاة! فإنّ صلاة واحدة من الصلوات الخمس تذهب بالسيّئات كلّها، فليصلّها ثمّ يعود إلى جرائمه و هكذا يذنب الذنوب العظام و يعقّبها بصلاة لتكون كفّارة عن ذنوبه كلّها و مطهّرة له من الآثام، حتّى و لو كان بانيا على العود و الاقتراف على استمرار!؟
فالصحيح في تفسير الآية أحد وجهين:
الأوّل: اختصاص ذلك بالصغائر الّتي قد ترتكب عفوا و من غير قصد غالبيّا، الأمر الّذي نلتزم فيه بالتكفير خاصّا به. فالصغائر[٣]- و هي المعبّر عنها باللّمم أي الّتي قد يقع فيها المؤمن، ثمّ يتذكّر
[١] هود ١١: ١١٤.
[٢] انظر: مجمع البيان ٥: ٣٤٥، و تحاتّ الورق من الشجر- بتشديد التاء-: تناثر و تساقط.
[٣] اختلفوا في تعيين الصغائر و تمييزها عن الكبائر، فقيل: ما أوعد اللّه عليه النار أو أوجب عليه حدّا. و قيل: كلّ ما نهى اللّه فهي كبيرة، لأنّ كبر الذنب إنّما هو بالقياس إلى عظم شأن المولى. و قيل: ليست في الذنوب صغيرة إلّا بالقياس إلى أكبر منها، فبعضها أكبر و بعضها أصغر قياسا نسبيّا لا حقيقيّا. انظر: مجمع البيان ٣: ٧٠. و في بعض الروايات تعداد الكبائر بالخصوص. و هي جميع الذنوب المعروفة، و ربما بلغت سبعين ذنبا تقريبا. و جاء في حديث شرائع الدين عن الإمام الصادق عليه السّلام برواية الأعمش، إشارة إلى كثير منها. راجع: البحار ١٠: ٢٢٢- ٢٢٩/ ١. قال الإمام الصادق عليه السّلام:« الذنوب كلّها شديدة، و أشدّها ما نبت عليه اللحم و الدم». الكافي ٢: ٢٦٩- ٢٧٠/ ٢؛ و البحار ٧٠: ٣١٧/ ٥؛ و راجع الكافي:
باب الكبائر ٢: ٢٧٦- ٢٨٧، و باب استصغار الذنوب: ٢٨٧، و باب الإصرار على الذنب: ٢٨٨، و غيرها من أبواب مناسبة. و عليه فالصغيرة عندنا هي الذنوب الّتي ترتكب عفوا و ربما لا عن قصد سابق. لكن لا بمثابة أن يكون ذلك عذرا. و ذلك أكثر ما يبتلى به الناس في حياتهم اليوميّة، من دون مبالاة بالحفاظ على حقوق الإخوان و قد بحثنا في ذلك مستوفا في تعاليقنا على كتاب القضاء للمحقّق العراقي. راجع الملحق رقم ١٠. قال الإمام الصادق عليه السّلام:« لا صغيرة مع الإصرار، و لا كبيرة مع الاستغفار» الكافي ٢: ٢٨٨. إذ الصغيرة إنّما تقع من المؤمن المحافظ عفوا مرّة أو مرّتين. أمّا مع الإصرار فهي خطيئة كبيرة و ربما ذهبت بالإيمان. الكافي ٢: ٢٨٤- ٢٨٥.