التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨٥ - كلام عن الحبط و التكفير و الموازنة
و هي- أيضا- من المسائل الّتي اختلفنا فيها مع أصحاب الاعتزال، لزعمهم أنّ من شرط الإيمان هو العمل بالأركان[١]. فأخذوا من فروع أحكام الإسلام قيدا في ثبوت أصوله، و من ثمّ فإنّ المشروط و المقيّد بشيء ينتفي عند فقد شرطه أو قيده. قال القاضي: لأنّ الأمّة اتّفقت على أنّ ركعتي الفجر[٢] من الدين، و إذا ثبت أنّه من الدين ثبت أنّه من الإيمان، لأنّ الدين و الإيمان واحد![٣].
قلت: الإيمان عندنا عبارة عن التصديق بالقلب و الإقرار باللسان. أمّا فعل الطاعات و اجتناب المعاصي، فهو من آثار الإيمان المترتّبة عليه مع الالتفات إليه. و يختلف حسب اختلاف درجة الإيمان و قوّته، كالعقل حسب درجاته في الكمال يؤثّر في اتّزان الإنسان في أفعاله و اجتناب القبائح. فكما لا يصحّ أن يقال لكلّ مرتكب قبيح: إنّه فاقد للعقل إطلاقا، كذلك لا يصحّ نفي الإيمان عن مرتكب المعصية إذا لم يكن عن جحود!
و من ثمّ فإنّ الفاسق باق على إيمانه، و هو الّذي يدعوه إلى التوبة و الاستغفار، و لولاه لم يتب و لم يكن يئوب. نعم إذا كان مرتكب الكبيرة جاحدا لحرمتها بما يرجع إلى إنكار قول الرسول و جحد رسالته- العياذ باللّه- لكان مرتدّا عن الإيمان و داخلا في حدّ الكفر، و بذلك كان قد قطع حبل اللّه المتين، الّذي اعتصم به عباده المؤمنون، فلا آصرة تربطه مع اللّه سوى اللّجوء إلى حظيرة الإيمان.
أمّا استحقاقه المذمّة و الإهانة على ارتكاب المعصية، فلا يتنافى مع استحقاقه الإجلال و التعظيم على ثباته على الإيمان، لأنّهما جهتان مترتّبتان على عنوانين لا يمسّ أحدهما الآخر، فيذمّ على جهة و يمدح على أخرى، كما يقبّح إنسان على قبيحة ارتكبها، و يستحسن فعله الآخر، إذا كانا على جهتين و بعنوانين لا صلة بينهما!
[١] الإيمان عند أبي عليّ و أبي هاشم عبارة عن أداء الطاعات، الفرائض دون النوافل و اجتناب المقبّحات. و عند أبي الهذيل عبارة عن أداء الطاعات الفرائض منها و النوافل و اجتناب المقبّحات. و قد اختاره قاضي القضاة. انظر: شرح الأصول الخمسة: ٧٠٧- ٧٠٨.
[٢] يعني نافلته حسب اختياره مذهب أبي الهذيل في كون النوافل من الإيمان.
[٣] شرح الأصول الخمسة: ٧٠٨.