التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨٤ - كلام عن الحبط و التكفير و الموازنة
الخير. فإذا استحقّ العقاب بالمعصية فإمّا أن يقدّم الثواب على العقاب، و هو باطل بالإجماع؛ لأنّ الثواب المستحقّ بالإيمان دائم. أو يقدّم العقاب على الثواب- و هو المطلوب- أو يجمع بينهما- و هو محال- الثاني: يلزم في من عبد اللّه تعالى مدّة عمره ثمّ يعصي بمعصية، مع بقاء إيمانه أن يبقى مخلّدا في النار كمن أشرك باللّه مدّة عمره، و ذلك محال، لقبحه عند العقلاء»[١].
الرابعة: هل المراد بالإحباط تأثير العمل اللّاحق في بطلان العمل السابق، بمعنى انقلابه فاسدا من الأوّل، بعد أن كان قد وقع صحيحا؟ أم المراد إبطال أثره في المستقبل من مثوبة و غيرها من آثار كانت مترتّبة عليه لو لا الإحباط؟
لا شكّ أنّ المفروض الأوّل باطل، إذ لا تأثير للمتأخّر في المتقدّم وجودا إلّا إذا كان بمعنى بطلان المتقدّم واقعا، لما في علم اللّه: أنّ شرطه المتأخّر (و هو عدم وجود العمل اللّاحق) لا يتحقّق في ظرفه. الأمر الّذي ليس من الانقلاب الحقيقي، و إنّما هو انكشاف للواقعيّة الّتي كانت معلومة عند اللّه و خافية علينا.
مثلا إذا كانت الموافاة على الإيمان شرطا في صحّة الأعمال، فالمرتدّ الّذي يموت على الكفر، فاقد لهذا الشرط في ظرف الواقع، و من ثمّ فإنّ أعماله جميعا كانت باطلة من يومها الأوّل، و ينكشف ذلك لنا عند ما يموت على الارتداد!
الخامسة: هل الفاسق مؤمن أم كافر أم وسط بين الأمرين؟
أثبتت المعتزلة للفاسق منزلة بين المنزلتين، لا هو باق على إيمانه و لا هو مرتدّ إلى الكفر و الجحود. قالوا: صاحب الكبيرة لا يسمّى مؤمنا و لا كافرا، و إنّما يسمّى فاسقا. أمّا الأوّل، فلأنّ مرتكب الكبيرة يستحقّ الذمّ و اللعن و الاستخفاف و الإهانة، و لا شيء من ذلك يصلح لشأن المؤمن الّذي يستحقّ المدح و التعظيم و الموالاة. و قد سمّوا من خالفهم في هذا الرأي بالمرجئة[٢]. و أمّا الثاني، فلأنّ الكافر هو من يستحقّ العقاب العظيم، و يختصّ بأحكام مخصوصة، و له حالة جحود لنعم اللّه تعالى عليه، الأمر الّذي لا ينطبق على مرتكب الكبيرة. و خالفهم في هذا الرأي الخوارج[٣].
[١] شرح التجريد، المسألة الثامنة في انقطاع عذاب أصحاب الكبائر: ٢٣٣.
[٢] راجع: شرح الأصول الخمسة: ٧٠١- ٧١١.
[٣] المصدر: ٧١٢.