التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨٢ - كلام عن الحبط و التكفير و الموازنة
فلا موضع له، بعد أن كانت مرحلة الاستحقاق بمعزل عن مرحلة الفعليّة و الوقوع. لأنّ معنى دوام الاستحقاق، هو جواز مذمّة العاصي في أيّ وقت من الأوقات، و لا يختصّ ذلك بالآن المباشر لظرف عصيانه. الأمر الّذي لا يعني الاستدامة في مذمّته ليل نهار على مرّ الدهور.
و هكذا العقاب، يستحقّه العاصي في أيّ وقت من الأوقات، فمتى ما أراد المولى عقابه صحّ ذلك منه. و هذا لا يعني جواز الإدامة من عقابه على مرّ الزمان مع الأبديّة. لأنّ ذلك عقاب فوق استحقاقه و ظلم يتحاشاه عدله تعالى و حكمته المطلقة.
أمّا اختصاص تفضّله تعالى بالصغار القصّر فلم نعرف له وجها، و لا هم أقاموا على إثباته برهانا. فضلا عن مخالفته الصريحة لنصّ الكتاب و السنّة المتواترة، فإنّ فضله تعالى عظيم[١] و رحمته واسعة[٢] و قد وعد بغفران الذنوب جميعا[٣].
الثالثة: هل المغفرة خاصّة بالتائبين أم هي عامّة؟
زعمت المعتزلة اختصاصها بمن يموت عن توبة و ندم و استغفار!
لكن في نصوص الكتاب و السنّة صراحة في عمومها لمن مات عن إيمان فإن كان تائبا فيموت مغفورا له كمن لا ذنب له، و غيره يموت مرجوّا لأمره تعالى إمّا يعذّبه على قدر استحقاقه ثمّ يغفر له، أو يتفضّل عليه بالغفران من أوّل أمره بلا تعذيب. و إنّ في كثير من العبادات الواجبة، و الأعمال الصالحة، لمطهّرة للذنوب حتّى الكبائر، فضلا عن الصغائر، فإنّها مغفورة بذاتها إذا لم يكن هناك إصرار. بل كان قد ألمّ بها إلماما.
قال تعالى: وَ أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَ زُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ. وَ اصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ[٤].
[٢/ ٦٢٠٧] و قد شبّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الصلوات الخمس بنهر على باب الدار يغتسل فيه صاحبها
[١] قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَ يُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ الأنفال ٨: ٢٩.
[٢] قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ الأعراف ٧: ١٥٦.
[٣] قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ الزمر ٣٩: ٥٣.
[٤] هود ١١: ١١٤- ١١٥.