التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧٣ - سورة البقرة(٢) الآيات ٢١٧ الى ٢١٨
أحدا من أصحابك على السير معك».
فسار عبد اللّه يومين ثمّ نزل و فتح الكتاب فإذا فيه: «بسم اللّه الرحمن الرحيم أمّا بعد، فسر على بركة اللّه بمن تبعك من أصحابك حتّى تنزل بطن نخلة فترصّد بها عير قريش لعلّك تأتينا منه بخبر».
فلمّا نظر في الكتاب قال: سمعا و طاعة، ثمّ قال لأصحابه ذلك، و قال: إنّه نهاني أن أستكره أحدا منكم فمن كان يريد الشهادة فلينطلق، و من كره فليرجع فإنّي ماض لأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
ثمّ مضى و مضى معه أصحابه لم يتخلّف عنه منهم أحد حتّى كان بمعدن فوق الفرع بموضع من الحجاز يقال له نحوان، أضلّ سعد بن أبي وقّاص و عتبة بن غزوان بعيرا لهما كانا يعتقبانه، فاستأذنا أن يتخلّفا في طلب بعيرهما فأذن لهما، فتخلّفا في طلبه، و مضى ببقيّة أصحابه حتّى نزلوا بطن نخلة بين مكّة و الطائف، فبينا هم كذلك إذ مرّت عير لقريش تحمل زبيبا و أدما و تجارة من تجّار الطائف، فيهم عمرو بن الحضرمي و الحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة و عثمان بن عبد اللّه بن المغيرة و أخوه نوفل بن عبد اللّه المخزوميان، فلمّا رأوا أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم هابوهم، فقال عبد اللّه بن جحش: إنّ القوم قد ذعروا منكم فاحلقوا رأس رجل منكم و ليتعرّض لهم فإذا رأوه محلوقا أمنوا و قالوا: قوم عمّار، فحلقوا رأس عكّاشة ثمّ أشرف عليهم، فقالوا: قوم عمّار لا بأس عليكم، فأمنوهم.
و كان ذلك في آخر يوم من جمادي الآخرة، و كانوا يرون أنّه من جمادي و هو من رجب، فتشاور القوم و قالوا: لئن تركتموهم الليلة ليدخلنّ الحرم فليمتنعنّ منكم، فأجمعوا أمرهم في مواقعة القوم، فرمى واقد بن عبد اللّه السهميّ عمرو بن الحضرميّ فقتله، فكان أوّل قتيل من المشركين (و هو أوّل قتيل في الهجرة و أدّى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم دية ابن الحضرميّ إلى ورثته من قريش. قال مجاهد و غيره: لأنّه كان بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و بين قريش عهد، و ادع أهل مكّة سنتين أن لا يقاتلهم و لا يقاتلوه) و استأسر الحكم و عثمان فكانا أوّل أسيرين في الإسلام، و أفلت نوفل فأعجزهم.
و استاق المؤمنون العير و الأسيرين حتّى قدموا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالمدينة، فقالت قريش:
قد استحلّ محمّد الشهر الحرام فسفك فيه الدماء و أخذ فيه الحرائب، و عيّر بذلك أهل مكّة من كان بها من المسلمين، و قالوا: يا معشر الصبأة، استحللتم الشهر الحرام و قاتلتم فيه، و بلغ ذلك