التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧٢ - سورة البقرة(٢) الآيات ٢١٧ الى ٢١٨
و انطلقت الدعايات المضلّلة على هذا النحو، بشتّى الأساليب الماكرة الّتي تروج في البيئة العربيّة، و تظهر محمّدا و أصحابه بمظهر المعتدي الّذي يدوس مقدّسات العرب!!
فنزلت الآية- نقضا لهكذي شبهات فارغة- بأنّ القتال في الأشهر الحرم، و إن كان كبيرا، لكن هناك فضائح و فضائع أكبر إثما من القتال.
قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ. فالقتال فيه كبيرة موبقة، نعم! و لكن وَ صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ كُفْرٌ بِهِ وَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ إِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ. حيث كان المشركون حصروا على المسلمين و كمنوا لهم بكلّ مرصد. و هذا كفر باللّه و كفر بالمسجد الحرام، أي نقض لحرمته و هتك لحريمه.
بل إخراج أهله منه، و إخراجهم إلى الهروب من بلد الأمن، أكبر جريمة و إثما عند اللّه. بل وَ الْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ. أي تضييق المجال على المؤمنين و افتتانهم عن دينهم، ليعودوا مشركين.
كلّ ذلك (الإحراج و الافتتان) أكبر عند اللّه من القتل؛ لأنّ ذاك سحق لمعالم الإنسانيّة محضا. و هذا هدر لدم.
و قد كان المشركون يرتكبون الأفحش من غير مبالاة، و في نفس الوقت كانوا يعيّرون على المسلمين ارتكابهم الأهون الّذي أصابهم. إذن فقد كان شعار «حرمة الشهر الحرام» كلمة حقّ يراد بها الباطل.
و سنتكلّم عن كبائر الذنوب و صغائرها، و أن لا صغيرة ذاتيّا و إنّما هي نسبيّة، فكلّ ذنب بالنسبة إلى ما هو أكبر منه صغيرة، و بالنسبة إلى ما هو أصغر منه كبيرة. و الجميع كبائر، حيث لاحظنا عظم من عصيناه؛ فقد كبر مقتا عند اللّه، اجتراء العاصين!
[٢/ ٦١٩٧] ذكر الثعلبي أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بعث عبد اللّه بن جحش و هو ابن عمّة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أخت أبيه في جمادي الآخرة، قبل قتال بدر بشهرين على رأس سبعة عشر شهرا من مقدمه إلى المدينة، و بعث معه ثمانية رهط من المهاجرين: سعد بن أبي وقّاص الزّهري و عكّاشة بن محصن الأسدي و عتبة بن غزوان السّلمي و أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة و سهيل بن بيضاء و عامر بن ربيعة و واقد بن عبد اللّه و خالد بن بكير.
و كتب بإمرة عبد اللّه بن جحش كتابا و قال له: «سر على اسم اللّه، و لا تنظر في الكتاب حتّى تسير يومين، فإذا نزلت فافتح الكتاب و اقرأه على أصحابك، ثمّ امض لما أمرتك و لا تستكرهنّ