التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٩ - سورة البقرة(٢) آية ٢١١
أخذتهم بارقة العذاب و أهلكتهم، فليأخذوا منهم العبرة و العظة، إن كانوا يشعرون. نعم وَ مَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ المتاحة لديهم- و هي نعمة السلم و نعمة الإيمان- مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ و أتته فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ. حيث لا مناص حينذاك من العقاب.
و ما بدّلت البشريّة نعمة إلّا أصابها ذلّ الهوان، في حياتها على الأرض قبل هوان الآخرة الدائم.
قال سيّد قطب: و التهديد بشدّة عقاب اللّه يجد مصداقه أوّلا في حال بني إسرائيل، و يجد مصداقه أخيرا في المبدّلين للنعمة المتبطّرين عليها في كلّ زمان.
و ها هي ذي، البشريّة المنكودة الطالع في أنحاء الأرض كلّها تعاني العقاب الشديد، و تجد الشقوة النكدة، و تعاني القلق و الحيرة، و يأكل بعضها بعضا، و يأكل الفرد منها نفسه و أعصابه، و يطاردها و تطارده بالأشباح المطلقة، و بالخواء[١] القاتل، الّذي يحاول المتحضّرون أن يملئوه تارة بالمسكرات و المخدّرات، و تارة بالحركات الحائرة التي يخيّل إليك معها أنّهم هاربون تطاردهم الأشباح.
و نظرة إلى صورهم في الأوضاع العجيبة المتكلّفة الّتي يظهرون بها: من مائلة برأسها، إلى كاشفة عن صدرها، إلى رافعة ذيلها، إلى مبتدعة قبّعة غريبة على هيئة حيوان! إلى واضع رباط عنق رسم عليه تيتل أو فيل! إلى لابس قميص تربّعت عليه صورة أسد أو دبّ!
و نظرة إلى رقصاتهم المجنونة، و أغانيهم المحمومة، و أوضاعهم المتكلّفة و أزيائهم الصارخة في بعض الحفلات و المناسبات؛ و محاولة لفت النظر بالشذوذ الصارخ، أو ترضية المزاج بالتميز الفاضح.
و نظرة إلى التنقّل السريع المحموم بين الأهواء و الأزواج و الصداقات و الأزياء بين فصل و فصل، لا بل بين الصباح و المساء!
كلّ أولئك يكشف عن الحيرة القاتلة الّتي لا طمأنينة فيها و لا سلام. و يكشف عن حالة الملل الجاثم الّتي يفرّون منها، و عن حالة «الهروب» من أنفسهم الخاوية و أرواحهم الموحشة، كالّذي تطارده الجنّة و الأشباح.
[١] هو الفراغ و الخلأ الهائل.