التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨١ - وقفة حاسمة
فإلى متى يتخلّف المتخلّفون عن الدخول في السلم، و هذا الفزع الأكبر ينتظرهم؟ بل هذا الفزع الأكبر يدهمهم! و السلم قريبة منهم؛ السلم في الدنيا و السلم في الآخرة: وَ يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَ نُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا[١]. يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَ الْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَ قالَ صَواباً[٢]. يوم يقضى الأمر. و قد قضي الأمر! وَ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ[٣].
وقفة حاسمة
هنا، في هذه الآية الكريمة لفتة نظر: كيف يأتي اللّه في ظلل من الغمام؟
تعبيران، أحدهما أكثر إبهاما من الآخر.
أوّلا: ما هو المقصود من إتيانه تعالى، لو أريد به الحركة و الانتقال من مكان إلى مكان؟!
و ثانيا- و هو الأصعب فهما-: كيف يظلّه الغمام، و لازمه التحيّز و أن تحيط به أظلّة غمام، بعد أن كان تعالى هو محيطا بكلّ شيء؟!
قال ابن عاشور: و قوله تعالى: فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ أشدّ إشكالا من إسناد الإتيان إلى اللّه تعالى، لاقتضائه الظرفيّة، و هي مستحيلة عليه تعالى؟![٤]
*** غير أنّ الآية لمّا كانت في سياق التهديد و الوعيد، كان مساقها مساق قوله تعالى: فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا[٥]. و قوله: فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ[٦]. فإتيان اللّه إتيان أمره و بأسه، كقوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ[٧]. و قوله: أَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَ هُمْ نائِمُونَ. أَ وَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَ هُمْ يَلْعَبُونَ[٨] فإتيان الشيء كناية عن سهولة عمله بلا كلفة و لا حجاز مانع. فقوله تعالى: قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ
[١] الفرقان ٢٥: ٢٥.
[٢] النبأ ٧٨: ٣٨.
[٣] في ظلال القرآن ١: ٣٠٧.
[٤] التحرير و التنوير ٢: ٢٦٩.
[٥] الحشر ٥٩: ٢.
[٦] النحل ١٦: ٢٦.
[٧] النحل ١٦: ٣٣.
[٨] الأعراف ٧: ٩٧- ٩٨.