التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨١ - سورة البقرة(٢) الآيات ٢٠٠ الى ٢٠٣
(التعهّد الإنسانيّ النبيل) ميزان الاتّصال باللّه و ذكره و تقواه[١].
ثمّ القرآن يزن مقادير الناس و مآلاتهم بهذا الميزان الجديد: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا: إنّما يبتغي حسن العاجلة الزائلة و يتغافل الحياة الباقية السعيدة في جنب اللّه. أَوْ من ثمّ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ أي حظّ و نصيب.
فقد ورد أنّهم كانوا يقولون- عند ما يأتون الموقف-: «اللّهمّ اجعله عام غيث و عام خصب و عام ولاد حسن»[٢]. لا يذكرون من أمر الآخرة شيئا.
و هذا نموذج من الناس مكرور في الأجيال و الأمصار، النموذج الّذي همّه الدنيا وحدها، يذكرها حتّى حين يتوجّه إلى اللّه بالدعاء، لأنّها هي الّتي تشغله، و تملأ فراغ نفسه، و تحيط عالمه و تغلقه عليه. ذاهلا عن الحياة الأخرى كلّ الذهول.
و من ثمّ فقد يمنحهم اللّه بعض نصيبهم من الدنيا حيث رضوا بها، و اطمأنّوا إليها. و لكن لا نصيب لهم في الآخرة إطلاقا، حيث لم تبد منهم رغبة فيها. و لا عرضة لغير طلب.
*** و هناك نموذج آخر من الناس، أفسح أفقا، و أكبر نفسا، يرى من الدنيا و الآخرة متلازمين، و أنّ هذه الحياة القصيرة تستهدف حياة هي أوسع و أرقى و أدوم. حيث لقاء اللّه. يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ[٣].
فلم تكن عمارة الأرض لوحدها الهدف من الحياة. و إنّما هي مشرعة إلى منهل عذب آخر رحيق: وَ إِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ[٤].
و من ثمّ فالرابح من جمع الدنيا مع الآخرة، و طلب الحسنى في كلتا الدارين: وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنا عَذابَ النَّارِ.
إنّهم يرغبون إلى اللّه في حسن حالهم في الدارين، و لا يحدّدون نوع الحسنة، بل يدعون اختيارها إلى المولى الكريم، و من ثمّ فلهؤلاء نصيب مضمون. أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا أي نتيجة أعمالهم الصالحة في هذه الحياة. وَ اللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ أي سريع الإجابة على قدر ما بذلوا
[١] في ظلال القرآن ١: ٢٨٩- ٢٩٠.
[٢] يأتي الحديث عنه.
[٣] الانشقاق ٨٤: ٦.
[٤] العنكبوت ٢٩: ٦٤.