التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٧ - سورة البقرة(٢) آية ١٩٧
[٢/ ٥٥٠٦] كما روي عن ابن عبّاس أنّه كان محرما، فأخذ بذنب ناقة من الرّكاب و هو يقول:
|
و هنّ يمشين بنا هميسا |
إن تصدق الطّير ننك لميسا |
|
فقيل له- و القائل أبو العالية[١]-: يا أبا العبّاس، أ تقول الرّفث و أنت محرم؟! و في رواية:
أ ترفث و أنت محرم؟! فقال: إنّما الرفث ما و وجه به النساء[٢]. فرأى ابن عبّاس الرّفث الّذي نهى اللّه عنه ما خوطبت به المرأة، فأمّا أن يرفث في كلامه و لا تسمع امرأة رفثه، فغير داخل في قوله: فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ وَ لا جِدالَ فِي الْحَجِ[٣].
و الجدال: المناقشة و المشادّة في الجدل حتّى يغضب الرجل صاحبه.
و الفسوق: إتيان المعاصي كبرت أم صغرت[٤]. و النهي عنها كناية عن ترك ما ينافي حالة التحرّج و التجرّد للّه، في هذه الفترة الجليلة. و الارتفاع عن دواعي الأرض، إلى حيث مناهل رضوان اللّه. و هذا تأدّب جميل حيث العبد في فناء رحمة ربّه المتعال.
و بعد الانتهاء عن فعل القبيح، ينبغي السباق إلى كلّ فعل جميل: وَ ما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ، سواء أسرّ به العبد أم جهر به، و قد أراد به وجه اللّه.
ثمّ يدعوهم إلى التزوّد في رحلة الحجّ، زاد الجسد و زاد الروح. وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَ اتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ. و التقوى زاد القلوب و الأرواح، و بها تزداد هيمنة و صلاحا لبلوغ الرضوان، فهو خير زاد يتزوّد به العباد. و أولو الألباب هم أوّل من يدرك هذه الحقيقة و يدرك ضرورة التوجيه إلى التقوى، و أنّهم خير من ينتفع بهذا الزاد الفخيم. و سيأتي مزيد توضيح لهذه الآية و في المقصود من التقوى هنا.
[١] في رواية الطبري ٢: ٣٦٠.
[٢] حسبما جاء في صحاح الجوهري ١: ٢٨٣- ٢٨٤.
[٣] لسان العرب ٢: ١٥٣- ١٥٤.
[٤] و سيأتي عن عكرمة: أن لا صغيرة في معصية اللّه.( الطبري ٢: ٣٦٧). و هو الصحيح من اختيارنا: أنّ المعاصى كلّها كبائر، غير أنّها تتفاوت، و الصغر و الكبر نسبيّان. أمّا كون معصية صغيرة بذاتها، فلا. راجع ما سجّلناه بهذا الصدد في ملحق كتاب القضاء للأستاذ الكبير ضياء الدين العراقيّ.( شرح التبصرة: ٣٢٤).