التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١٧ - سورة البقرة(٢) آية ١٩٥
قال أبو جعفر الطبري: و الصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إنّ اللّه- جلّ ثناؤه- أمر بالإنفاق في سبيله بقوله: وَ أَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ و سبيله: طريقه الّذي شرعه لعباده و أوضحه لهم.
و معنى ذلك: و أنفقوا في إعزاز ديني الّذي شرعته لكم، بجهاد عدوّكم الناصبين لكم الحرب على الكفر بي، و نهاهم أن يلقوا بأيديهم إلى التهلكة، فقال: وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ. و ذلك مثل، و العرب تقول للمستسلم للأمر: أعطى فلان بيديه، و كذلك يقال للممكّن من نفسه ممّا أريد به:
أعطى بيديه. فمعنى قوله: وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ: و لا تستسلموا للهلكة فتعطوها أزمّتكم فتهلكوا. و التارك النفقة في سبيل اللّه عند وجوب ذلك عليه، مستسلم للهلكة، بتركه أداء فرض اللّه عليه في ماله. و ذلك أنّ اللّه- جلّ ثناؤه- جعل أحد سهام الصدقات المفروضات الثمانية في سبيله، فقال: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ إلى قوله: وَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ، فمن ترك إنفاق ما لزمه من ذلك في سبيل اللّه على ما لزمه، كان للهلكة مستسلما و بيديه للتهلكة ملقيا. و كذلك الآيس من رحمة اللّه لذنب سلف منه، ملق بيديه إلى التهلكة، لأنّ اللّه قد نهى عن ذلك فقال: وَ لا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ. و كذلك التارك غزو المشركين و جهادهم في حال وجوب ذلك عليه، في حال حاجة المسلمين إليه، مضيّع فرضا، ملق بيده إلى التهلكة. فإذا كانت هذه المعاني كلّها يحتملها قوله: وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ، و لم يكن اللّه- عزّ و جلّ- خصّ منها شيئا دون شيء، فالصواب من القول في ذلك أن يقال: إنّ اللّه نهى عن الإلقاء بأيدينا لما فيه هلاكنا، و الاستسلام للهلكة، و هي العذاب بترك ما لزمنا من فرائضه، فغير جائز لأحد منّا الدخول في شيء يكره اللّه منّا ممّا نستوجب بدخولنا فيه عذابه. غير أنّ الأمر و إن كان كذلك، فإنّ الأغلب من تأويل الآية: و أنفقوا أيّها المؤمنون في سبيل اللّه، و لا تتركوا النفقة فيها فتهلكوا باستحقاقكم بترككم ذلك عذابي[١].
[١] الطبري ٢: ٢٨٠.